{فَقَدْ جَآءَكُمْ} [الأنعام: 157] ، يعني: في هذا القرآن، {بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ} [الأنعام: 157] ما بين لكم طريق السير إلى الله والوصول، {وَهُدًى} [الأنعام: 157] وما يهديكم إلى الله أتم وأكمل مما جاءهم في الكتابين؛ لأنه {وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ} [الأنعام: 59] ، وإحدى بركة القرآن كل ما في الكتب المنزلة من أسباب الهداية إلى الله تعالى مندرج في القرآن منفرد بكثير منها، {وَرَحْمَةٌ} [الأنعام: 157] أي: قد جاءكم محمد صلى الله عليه وسلم وهو رحمة مهداة ليوصلكم إلى الله، فإن لكم فيه {أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} [الأحزاب: 21] ، {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ} [الأنعام: 157] يعني: بالقرآن وبمحمد صلى الله عليه وسلم، {وَصَدَفَ عَنْهَا سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ} [الأنعام: 157] والفرقة والقطيعة، {بِمَا كَانُواْ يَصْدِفُونَ} [الأنعام: 157] يعرضون عنها عن هدايتنا.
ثم أخبر عن انتظار أهل الإنكار بقوله: {هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن تَأْتِيهُمُ الْمَلَائِكَةُ} [الأنعام: 158] الإشارة فيها: أن القوم بعد بعثه النبي صلى الله عليه وسلم الذي هو صورة الهداية من الله، وبعد نزول الكتاب المبارك الذي هو المعتصم للوصول إلى الله تعالى في متابعة النبي صلى الله عليه وسلم، هل ينظر! {هَلْ يَنظُرُونَ} [الأنعام: 158] ، أي: ينتظرون، {إِلاَّ أَن تَأْتِيهُمُ الْمَلَائِكَةُ} [الأنعام: 158] عيانًا وتسوقهم إلى الله قهرًا وقهرًا، إذ هم لم يعتصموا بالقرآن، ولم يتبعوا النبي، ولم يهتد بهدايته، ولم يتسلكوا بتسليكه.
{أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ} [الأنعام: 158] ، يعني: إذ لم يأتوا إليه في متابعتك يأتي ربهم إليهم ويقطع مسافة البعد والحجب لهم، {أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ} [الأنعام: 158] فيكشف الغطاء يوم، {يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ} [الأنعام: 158] اللقاء، وبعد كشف الغطاء، {لاَ يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا} [الأنعام: 158] وذلك؛ لأن الله تعالى جعل نفس الإنسان وقلبه أرضًا صالحة لقبول بذر الإيمان وإنباته وتربيته، كما قال صلى الله عليه وسلم:"لا إله إلا الله ينبت الإيمان في القلب كما ينبت الماء البقلة"فالبذر: هو قول المرء أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله عند تصديق القلب بشهادة اللسان، وإنما كان زمان هذه الزراعة زمان الدنيا لا زمان الآخرة، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم:"الدنيا مزرعة الآخرة"يوم باقي بعض آياته ربك لا ينفع نفسًا في زمان الآخرة بذر إيمانها لم تكن آمنت أي: بذرت من قبل في زمان الدنيا، أو كسبت في إيمانها خيرًّا من الأعمال الصالحة التي ترفع الكلمات الطيبة وهي: لا إله إلا الله، وتجعلها شجرة طيبة مثمرة تؤتى أكلها حين بإذن ربها من ثمار المعرفة والمحبة والكشف والمشاهدة والوصول والوصال ونيل الكمال، {قُلِ انْتَظِرُوا} [الأنعام: 158] أيها المنتظرون للمستحيلات، {إِنَّا مُنتَظِرُونَ} [الأنعام: 158] للميعاد في المعاد بما وعدناهم من العذاب والعقاب.