فهرس الكتاب

الصفحة 1594 من 1648

أيها المعبس في وجه أصحابه المعرض بوجهه عن الطلاب أما تقرأ فصل الخطاب وما تفهم العتاب الذي أدرج رب الأرباب في طي الكتاب المستطاب المنزل على نبيه سيد الأحباب حيث قال: {عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَن جَآءَهُ الأَعْمَى} [عبس: 1 - 2] فينبغي أيتها اللطيفة المبلغة إذا جاءك طالب من قوى النفس التي عميت عيناها بالهوى ويطلب منك الهدى أن تغتنم مجيئها، وتقبل بوجهك عليها وترشدها إلى سبيل الهدى، {وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى} [عبس: 3] ؛ أي: يتطهر من الباطل بتعليمك إياه وبقي لك ثواب الدلالة والتعليم {أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ الذِّكْرَى} [عبس: 4] ؛ أي: يتعظ بوعظك فتنفعه الموعظة، وأنت جئت إلى هذا العالم لينتفع بك الآخر.

{أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى} [عبس: 5] عن الوعظ وعن استماع الحق {فَأَنتَ لَهُ تَصَدَّى} [عبس: 6] ؛ يعني: تقبل بوجهك إليه وتصغي إلى كلامه، وهو في الأنفس القوى الشريفة القالبية والنفسية تقبل اللطيفة عليها ليعطي حظها رجاء أن تقبل منها الحق، {وَمَا عَلَيْكَ أَلاَّ يَزَّكَّى} [عبس: 7] ؛ يعني: ما عليك إلا البلاغ، فإن لم يزك ما عليك ذنب، {وَأَمَّا مَن جَآءَكَ يَسْعَى} [عبس: 8] ؛ أي: القوى الضعيفة الطالبة {وَهُوَ يَخْشَى} [عبس: 9] من الله ويسعى إليك؛ لترشده إلى سبيل الحق وطريق النجاة، {فَأَنتَ عَنْهُ تَلَهَّى} [عبس: 10] ؛ أي: أنت تشتغل عنه باشتغالك بالأشراف.

{كَلاَّ} [عبس: 11] كلمة جاءت على سبيل الزجر؛ أي: أنت عن مثل هذا الفعل {إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ} [عبس: 11] ؛ يعني: هذه الموعظة والعتاب موعظة للمرشدين ليغتنموا مجيء المسترشدين، ويشتغلوا بإرشادهم ما ينزه على نفوسهم، ومنعه للطالبين ليجتهدوا في الطلب إذ اعلموا أن الله عاتب حبيبه لأجلهم، {فَمَن شَآءَ ذَكَرَهُ} [عبس: 12] ؛ أي: من كان سعيدًا اتعظ به، واجتهد في طلبه كان بمشيئة الله المسطورة.

{فَي صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ} [عبس: 13] بكرامة الله تعالى آمنة على أن يطلع عليها العدد {مَّرْفُوعَةٍ} [عبس: 14] ؛ أي: رفيعة القدر عنه لا تصل إليها يد العدو، ومودعة في صحف القلب والسر والروح والخفى مطهرة عن الزيغ بحديث النفس، وعن إلقاء الشيطان بالزيادة والنقصان لا يمسها يد لامس لا تكون {مُّطَهَّرَةٍ} [عبس: 14] عن الباطل بل يمسها المطهرون، وهم القوى الملكية القلبية والسرية والروحية كما يقول في كتابه: {بِأَيْدِي سَفَرَةٍ * كِرَامٍ بَرَرَةٍ} [عبس: 15 - 16] بأيدي كتبة على الله بررة على خلقه بكتابتهم كل ينؤون قبل الوقوع من الخير، ولا يكتبون ما ينؤون من السر إلا بعد الوقوع، وهم جمع من الملائكة التي خلقهم الله من رشاش النور المطهر من رأس القلم على لوح العقل، وهم الكتبة وفي هذا سر يتعلق بحد القرآن مما يجب أن يطوى سره.

{قُتِلَ الإِنسَانُ مَآ أَكْفَرَهُ} يعني: لمن القوى المتقدة الشريفة المقبلة عليها اللطيفة بوجهها لتهديها، وهو أعرض عنها وما قبل هدايتها {فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ} [النحل: 112] التي أنعم في حقها من إعطاء الاستعداد لها والتفات اللطيفة إليها ألا تتفكر {مِنْ أَيِّ شَيءٍ خَلَقَهُ} [عبس: 18] {مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ} [عبس: 19] ؛ أي: من نطفة قطرة نقطة القاسم خلقها {فَقَدَّرَهُ} [عبس: 19] ؛ أي: في لوح العقل قدرها {ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ} [عبس: 20] ؛ أي: يسرها سبيل عالم الجسم لينزل إليه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت