فهرس الكتاب

الصفحة 953 من 1648

ثم أخبر عن مذمة الخلق في قوله الحق بقوله تعالى: {ذلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ} [مريم: 34] يشير إلى أن ذلك المتولد من نفخ الروح المضاف ومريم القلب وهو ابن مريم القلب لا ابن الله ولا جزء منه {قَوْلَ الْحَقِّ} [مريم: 34] أي: هو المجعول من كلمة الله وهي قول كن، {الَّذِي فِيهِ يَمْتُرُونَ} [مريم: 34] يشكون، فقائل يقول: هو ابن الله، وقائل يقول بالحلول أنه قد حل في مريم القلب، وقائل يقول بقدمه وقدم الروح، ثم نفى عن ذاته جل جلاله هذه الأوصاف بقوله: {مَا كَانَ للَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ} [مريم: 35] أي: جزء، فإن الولد جزء الوالد كما قال النبي صلى الله عليه وسلم:"فاطمة بضعة مني"وبقوله: {سُبْحَانَهُ} [مريم: 35] نزَّه نفسه عن أوصاف المخلوقات كلها.

ثم أخبر عن كمال قدرته بقوله: {إِذَا قَضَى أَمْرًا} [مريم: 35] في الأزل {فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ} [مريم: 35] في الحال ذلك الأمر المقدور في الأزل، وبقوله: {وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ} [مريم: 36] يشير إلى أن عيسى المتولد من مريم القلب يشهد أن الله الذي خلقه وخلقكم {فَاعْبُدُوهُ} [مريم: 36] بهذا الاعتقاد الخالص، فإن {هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ} [مريم: 36] يصل به العبد إلى الله عز وجل {فَاخْتَلَفَ الأَحْزَابُ مِن بَيْنِهِمْ} [مريم: 37] أي: تفرقوا ثلاث فرق:

* فرقة: يعبدون الله بالسير على قدمي الشريعة والطريقة بالعبور على المقامات والوصول إلى القربات، وهم: الأولياء الصديقون، وهم: أهل الله وخاصته.

* وفرقة: يعبدون الهوى على وفق الطبيعة، ويزعمون أنهم يعبدون الله كما أن الكفار يعبدون الأصنام ويقولون: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} [الزمر: 3] فهؤلاء ينكرون على أهل الحق وهم: البدع والهوى والزيغ والرياء والسمعة والشقاق وهم: أهل النار {فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ} [مريم: 37] من هؤلاء {مِن مَّشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ} [مريم: 37] أي: من شهود يوم يظهر فيه عظائم الأمور فيتبع كل عابد معبوده.

وبقوله: {أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا} [مريم: 38] يشير إلى أن من يأتي الله بقدم اليسر ما أسمعهم وأبصرهم؛ لأنهم به يسمعون وبه يبصرون {لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} [مريم: 38] يعني: الذين ظلموا أنفسهم بإفساد استعدادهم اليوم في ضلال مبين باستعماله في غير موضعه {وَأَنْذِرْهُمْ} [مريم: 39] أي: أعلمهم؛ يعني: الظالمين {يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الأَمْرُ} [مريم: 39] في الأزل بإيمان بعضهم، وكفر بعضهم {وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ} [مريم: 39] في العدم عن هذا القضاء {وَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ} [مريم: 39] أي: قضى للظالمين ما لم يؤمنوا.

{إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ} [مريم: 40] أي: الوارث لأرض الوجود {وَمَنْ عَلَيْهَا} [مريم: 40] أي: ومن في الوجود {وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ} [مريم: 40] باللطف والقهر؛ أمَّا باللطف: فبأن يغنيهم الله عنهم ويبقيهم به، وأمَّا بالقهر بقوله: {وَبَرَزُواْ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ} [إبراهيم: 48] فيناديهم {لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ} [غافر: 16] أي: ملك الوجود فلا يجيب نفسه {لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ} [غافر: 16] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت