ثم أخبر عن تبليغ الرسالة وعدم الالتفات بأهل هذه الحالة وسوء المقالة بقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ} [المائدة: 67] ، إشارة إن الله تعالى أمر الرسول صلى الله عليه وسلم أن يبلغ الرسل إليه من دينه مطلقًا بقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ} المائدة: 67]، فاندرج تحت الأمر ما أنزل إليه من ربه من الوحي والإلهامات والمنامات والوقائع والواردات والمشاهدات والكشوف والأنوار والأسرار والأخلاق والمواهب والحقائق ومعاني النبوة والرسالة كلها.
ثم أكد الأمر بقوله تعالى: {وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ} المائدة: 67]؛ لأن الحكمة في إرسال الرسول أن يكون الرسول داعيًا إلى الله بإذنه، ويكون لهم في سلوك الطريق هاديًا إلى صراط مستقيم إلى الله وسراجًا منيرًا يهتدي به ويقتدي إلى أن يوصلهم إلى الله تعالى، فحقائق النبوة والرسالة والمشاهدات والكشوف كلها منازل منارات ومقامات أحوال الواصلين السائرين إلى الله تعالى، فلا يحصل مقصود ما أرسل منه، ففي الحقيقة ما بلغ رسالته بالكمال إلا أن للتبليغ مراتب بحسب ما أنزل إليه، كما أنزل إليه بأحوال مختلفة، فالتبليغ بالعبادة؛ وتبليغ بالإشارة وتبليغ بالتأديب والتهذيب، وتبليغ بالتعليم وتبليغ بالتزكية وتبليغ بالتحلية وتبليغ بالأخلاق وتبليغ بالضرة وتبليغ بجذبات الولاية، وتبليغ بقوة النبوة والرسالة وتبليغ بالشفاعة، وهذا سر عظيم يتضمن حقائق كثيرة، ولهذا السر قال صلى الله عليه وسلم:"يحتاجون إلى شفاعتي يوم القيامة حتى إبراهيم عليه السلام".
واعلم أن للحق أيضًا مراتب في قبول الدعوة والرسالة وحقائقها، كقوله تعالى: {اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ} [الأنعام: 124] ، حيث يجعل رسالته، ولهذا التفاوت في قبول الدعوى على حسب الاستعدادات المختلفة، قال أبو هريرة رضي الله عنه: حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم وعانيين من العلم، فأما أخذه فقد بثثته، وأما الآخرة فلو بثته ليقطع هذا البلعوم، ثم قال تعالى: {وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} [المائدة: 67] ؛ أي: يعصمك بأوصاف لاهوتيك عن أوصاف ناسوتيتك؛ لتصرف في الخلق بقوة اللاهوتية فتوصلهم إلى الله، ولا يتصرفون فيك فيقطعوك عن الله {إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ} [المائدة: 67] ؛ يعني: من سنته صلى الله عليه وسلم أن لا يهدأ إلى حضرته قومًا جحدوا نبوة الأنبياء، وما قبلوا رسالة الرسل ليبغلوا إليهم ما أنزل إليهم من ربهم، وأنكروا على الأولياء وما استمسك بعروة ولايتهم؛ ليوصلوهم إلى الله تعالى سنة الله {الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا} [الفتح: 23] .
ثم أخبر أن المتمسكين بأقوال أهل الحق بقوامات ما {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ} [المائدة: 68] ، إشارة أن الخطاب يعم جميع من أنزل إليهم الكتب، ويخص لأرباب العلوم الظاهرة المحرومين عن العلوم الباطنة {لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ} [المائدة: 68] ، من حقيقة الدين بمجرد تعلم العلوم الظاهرة وشرائع الدين، أنتم الغافلون عن العلوم الباطنة وحقيقة الدين {حَتَّى تُقِيمُواْ التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْكُمْ مِّن رَّبِّكُمْ} [المائدة: 68] ؛ يعني: حتى تقيموا أحكام ظاهرها وباطنها، وزينوا ظاهركم وباطنكم بالأعمال والأحوال التي يشير إليها ظاهريًا وباطنها وهذا احتمالًا بتصور إلا بمقدمتين ونتائج أربع، فأما المقدمتان فأولهما: الجذبة الإلهية، وثانيها: التربية الشيخية، وأما النتائج فأولها: الإعراض عن الدنيا وما يتعلق بها كلها، وثانيها: التوجه إلى الحق بصدق الطلب، وهي من نتائج الجذبة، ثم تزكية النفس عن الأخلاق الذميمة وتحلية القلب بالأخلاق الإلهية، وهما من نتائج التربية الشيخية باستمداد القوة النبوية {وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِّنْهُمْ} [المائدة: 68] ؛ يعني: من العلماء التوبة {مَّآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ} [المائدة: 68] ، من أنصاف الربوبية يا أهل التحقيق في العبودية {طُغْيَانًا وَكُفْرًا} [المائدة: 68] ، إنكارًا وحسدًا {فَلاَ تَأْسَ} [المائدة: 68] ، يا أهل التحقيق {عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} [المائدة: 68] ، الجاحدين المنكرين فإنهم خلقوا مستعدين لهذا الإنكار الموصل إلى دركات النار.