فهرس الكتاب

الصفحة 595 من 1648

{إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ} [الأنفال: 12] أني معكم في تثبتهم يعني: التثبيت من الله لا من غيره نظيره قوله تعالى: {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ} [ابراهيم: 27] .

{سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرُّعْبَ} [الأنفال: 12] يشير إلى تثبيت المؤمنين، وإلقاء الرعب في قلوب الكافرين وكل خير وشر منه سبحانه، قوله تعالى: {فَاضْرِبُْواْ فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُْواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ} [الأنفال: 12] هذا كله وأمثاله منه تعليمًا وتقديرًا وتيسيرًا.

{ذلِكَ بِأَنَّهُمْ شَآقُّواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} [الأنفال: 13] أي: إلقاء الرعب في قلوب الكافرين، وضرب أعناقهم بأنهم شاقوا الله ورسوله أي: خالفوهما وتركوا رضاءهما واتبعوا الهوى يشير إلى أن كل سعادة وشقاوة تحصل للعبد في الدنيا والآخرة يكون للعبد فيه مدخل بالكسب موجب لذلك، دل عليه قوله تعالى: {وَمَن يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [الأنفال: 13] أي: من شدة عقاب أنهم شاقوا الله ورسوله يعني: سبق منهم ما عاقبهم الله بالمشاقة.

{ذالِكُمْ فَذُوقُوهُ} [الأنفال: 14] أي: ذوقوا العاجل منه صورة ومعنى، أما صورة: فبالقتل والأسر والمصائب والمكروهات، وأما معنى: فبالبعد والطرد عن الحضرة، وتراكم الحجب، وموت القلب، وعمى البصيرة، وضعف الروح، وقوة النفس، واستيلاء صفاتها وغلبة هواها وما يبعده عن الحق ويقربه إلى الباطل، {وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ} [الأنفال: 14] في الآخرة {عَذَابَ النَّارِ} [الأنفال: 14] عذاب نار القطيعة والحرمان.

ثم أخبر عن آداب القتال مع الكفار بقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ زَحْفًا فَلاَ تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ} [الأنفال: 15] الإشارة فيها: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} القلوب المؤمنة {إِذَا لَقِيتُمُ} كفار النفوس وصفاتها، {فَلاَ تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ} أي: لا تنهزموا من سطوات النفوس وغلبات صفاتها فتقعوا عن صراط مستقيم الطلب، وتستولي النفوس، وتنكسر القلوب وتضمحل صفاتها عند استيلاء صفات النفوس فتهلك القلوب، بل اثبتوا بالصبر عند صدمات النفوس فإن الصبر عند الصدمة الأولى، {وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ} [الأنفال: 16] ومن ينهزم من القلوب عن النفوس يوم استيلائها وغلبات صفاتها.

{إِلاَّ مُتَحَرِّفًا لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ} [الأنفال: 16] يعني: إلا قلبًا ينحرف لتهيئوا أسباب القتال مع النفس، أو راجعًا إلى الاستمداد من الروح وصفاته، أو إلى ولاية الشيخ يستمد منها، أو إلى الحضرة الربانية مستمدًا في قمع النفس وقهرها بطريق المجاهدة والرياضة؛ لتنكسر غلبات صفات النفس، وتنطفئ ثورتها فيظهر شواهدها القلوب فيها بالتقوى، فإن المجاهدات تورث المشاهدات، وأمَّا {فَقَدْ بَآءَ بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ} [الأنفال: 16] يعني: بطرد وإبعاد منه، {وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ} [الأنفال: 16] البعد عن الحضرة ونار القطيعة، {وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} [الأنفال: 16] أي: بئس المرجع والميعاد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت