فهرس الكتاب

الصفحة 325 من 1648

{وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا} [النساء: 35] ، يشير إلى خلاف يقع بين الشيخ الواصل في المريد المتكامل، {فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَآ} [النساء: 35] ، متوسطين؛ أحدهما: من المشايخ المعتبرين، والثاني: من معتبري السالكين؛ لينظر إلى مقالها ويتحققا أحوالهما، {إِن يُرِيدَآ إِصْلَاحًا} [النساء: 35] ، بما رأى فيه صلاحهما {يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَآ} [النساء: 35] ، بالإرادة وحسن التربية، {إِنَّ اللَّهَ كَانَ} [النساء: 35] في الأزل {عَلِيمًا} [النساء: 35] ، بأحوالهما، {خَبِيرًا} [النساء: 35] بجمالهما، فقدر لكل واحد منهما بما عليهما وبما لهما.

ثم أخبر عما لهما وعليهما بقوله تعالى: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ} [النساء: 36] ، إشارة في الآيات: إن العبد مأمور بعبادة الله تعالى وعبوديته بالإخلاص دون الشرك فيهما، بقوله تعالى: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا} [النساء: 36] ، فالعبادة أن تعبدوا الله وحده بطريق أوامره ونواهيه، ولا تعبد معه شيئًا من الدنيا والعقبى، فإنك لو عبدت الله خوفًا من شيء أو طمعًا في شيء فقد عبدت ذلك الشيء، لقوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ} [الحج: 11] ، قال تعالى: {يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا} [السجدة: 16] ، والعبودية طلب المولى للمولي بترك الدنيا والعقبى، والتسليم عند جريان القضاء شاكرًا صابرًا في النعماء والبلوى، كقوله تعالى: {يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} [الأنعام: 52] ، فإذا حصل المقصود وصل العابد إلى المعبود، فحينئذ يصح عنه، {وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} [النساء: 36] ؛ لأن الإحسان من صفات الله تعالى، كقوله: {ِالَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ} [السجدة: 7] ، والإساءة من صفات الإنسان فإن النفس الأمارة بالسوء، فالعبد لا يصدر منه الإحسان إلا أن يكون متخلقًا بأخلاق الله تعالى فانيًا عن أخلاق نفسه، كما قال تعالى: {مَّآ أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ} [النساء: 79] ، وفيه إشارة أخرى؛ وهي: إن لشرط العبودية الإقبال إلى الله تعالى بالكلية والإعراض عما سواه، حتى يخرج عن عهدة العبودية بالوصول إلى حضرة الربوبية، فتفنى عنك به وتتقرب به للوالدين، وغيرهما محسنًا بإحسانه لا بشرك ورياء، فإن الشرك والرياء هاء النفس، فإذا فنيت النفس فنيت أوصافها، ولهذا قال تعالى عقيب الآية: {إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا} [النساء: 36] ؛ لأن الاختيال والفخر من أوصاف النفس، والله تعالى لا يحب النفس ولا أوصافها؛ لأن النفس لا تحتسب الدنيا ولا المحبة من أوصافها، فإن النفس تحب الدنيا وتبخل بها وتأمر بالبخل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت