فهرس الكتاب

الصفحة 1018 من 1648

وبقوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ} [الحج: 11] يشير إلى بعض الطالبين من لا صدق له ولا ثبات في الطلب، فيكون من أهل التمني بطلب الله على شك، فإن أصابه خير مما يلائم نفسه وهواه أو فتوحًا من الغيب أطمأن به، وأقام على الطالب في الصحبة، وإن أصابته فتنة بلاء وشدة وضيق في المجاهدات أو الرياضات، وترك الشهوات، ومخالفة الناس، وملازمة الخدمة، ورعاية حق الصحبة، والتأدب بآداب الصحبة، والتأمل عن الإخوان انقلب على وجهه بتبديل الأقوال والإنكار، والاعتراض، والتسليم بالإباء، والاستكبار، والإرادة بالارتداد، والصحبة بالهجران {خَسِرَ الدُّنْيَا وَالأَخِرَةَ} [الحج: 11] أي: خسر ما كان عليه من الدنيا بتركها، وخسر الآخرة بالارتداد عن الطلب والصحبة.

ومن هنا قال المشايخ مرتد الطريقة أخسر من مرتد الشريعة: {ذلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ} [الحج: 11] فإن من رده قلب صاحب قلب يكون مردود القلوب كلها؛ وذلك لأنه {يَدْعُواْ مِن دُونِ اللَّهِ} [الحج: 12] أي: يعبد ويطلب ما سوى الله تعالى {مَا لاَ يَضُرُّهُ} [الحج: 12] في الآخرة إن تركه {وَمَا لاَ يَنفَعُهُ} [الحج: 12] إن طلبه {ذلِكَ هُوَ الضَّلاَلُ الْبَعِيدُ} [الحج: 12] أي: جعله بعيدًا من الله تعالى {يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ} [الحج: 13] أي: يطلب من ضرره في الآخرة {أَقْرَبُ مِن نَّفْعِهِ} [الحج: 13] أي: أكثر من الانتفاع به في الدنيا {لَبِئْسَ الْمَوْلَى} [الحج: 13] ما عبدوه وما طلبوه غير الحق {وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ} [الحج: 13] ما عاشروه في الدنيا وشهواتها.

ثم أخبر عن أهل الجنات والدرجات بقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ جَنَاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ} [الحج: 14] يشير إلى أنه من يدخل الجنة بمجرد الإيمان التقليدي والأعمال الصالحة الخالصة لوجه الله تعالى {إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ} [الحج: 14] أي: يوفق للإيمان الحقيقي والعمل الصالح من يريد ويشاء، كقوله تعالى: {يُدْخِلُ مَن يَشَآءُ} [الإنسان: 31] .

وبقوله تعالى: {مَن كَانَ يَظُنُّ أَن لَّن يَنصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ} [الحج: 15] يشير إلى أن من كان ظنه بالله ظن السوء بألاَّ ينصره في الدنيا على الكفار، وفي الآخرة بألاَّ يدخل الجنة، فإنه من الظانين بالله ظن السوء، وغضب الله عليه ولعنه، وأعد له جهنم، وساءت مصيرًا كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث رباني عن الله تعالى:"أنا عند ظن عبدي بي فليظن بي ما يشاء"يعني: من ظن بي خيرًا أصابه خيرًا، ومن ظن بي شرًّا أصابه شر، وفي رواية أخرى قال الله تعالى:"فليطلب طريقًا إلى السماء، ثم ليقطع صادقًا تقديري في الأزل ونزول أحكامي من السماء، فلينظر هل يذهبن كيده؟"أي: هل نقطع كيده في إبطال أحكامي النازلة من السماء مما يغيظ؟ أي: سبب غيظه وكذلك؛ أي: كذا ما قررنا من بطلان سعي في إبطال أحكامنا {أَنزَلْنَاهُ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ} [الحج: 16] أي: دلالات واضحات إليك يا محمد {وَأَنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يُرِيدُ} [الحج: 16] إلى الجنة من يشاء، وفيه إشارة أخرى: {وَأَنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يُرِيدُ} [الحج: 16] من الهداية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت