فهرس الكتاب

الصفحة 539 من 1648

ثم أخبر عن أحوال أهل الجنة بعد أهوال النار بقوله تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ} [الأعراف: 42] إلى قوله: {وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كَافِرُونَ} الأعراف: 45]، والإشارة فيها: أن الله تعالى بفضله وكرمه خفف عن أنفس أهل الغاية الإيمان والطاعة فقال: {وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ لاَ نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا} [الأعراف: 42] ، رفعنا عن ظاهرهم وباطنهم كلفة الإيمان والعمل فسيرنا عليهم العبودية بحسب التوفيق.

{َأُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ} [الأعراف: 42] ؛ أي: الذي خلقناهم للجنة مستعدين للسير إليها بأقدام الطاعات، {هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [الأعراف: 42] إذ خلقوا لها، {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ} [الأعراف: 43] ؛ أي: بنور قذفناه في قلوبهم وهو نور الإيمان فشرحنا صدورهم للإسلام بضوئه، {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم} من ظلمة صفات البشرية وهي: الغل، فاخرجناهم من الظلمات إلى النور، وبدَّلنا أخلاقهم الدنيئة الذميمة بالأخلاق العلية الحميدة، وطهرنا قلوبهم بالإيمان والعمل الصالح، وأرواحهم بماء العرفان، وأسرارهم بشراب طهور تجلي صفات الجمال وجعلناهم {إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ} [الحجر: 47] ؛ أي: إخوانًا في الله على سرر من السرور بالله، متقابلين لألطاف الله وشهود أنوار الغيب وكشوف أسرار الحق تعالى.

{تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ} [الأعراف: 43] ؛ أي: تجري من تحت أسرارهم أنهار الحكمة وعيون المعرفة، {وَقَالُواْ الْحَمْدُ للَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ} [الأعراف: 43] اعترافًا منهم وإقرارًا على أنفسهم بأنهم ما نالوا، ولم يصلوا إليه من جزيل تلك العطيات وعظيم تلك المواهب والرتب والمقامات بجهدهم واستحقاق فعلهم؛ وإنما ذلك جمع ابتداء فضل منه ورحمة، {لَقَدْ جَآءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُوا} [الأعراف: 43] في أسرارهم: {أَن تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا} [الأعراف: 43] يا أهل المحبة من أهل السهو والغفلة: {بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [الأعراف: 43] وتطلبون ما تحبون في متابعة الحبيب فوجدتم ما طلبتم، وإنهم لا يعملون بما يعلمون ويطلبون ما يحبون من الدنيا وشهواتها فيجدون دركات السفلى ونهاية البعد.

{وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ} [الأعراف: 44] ؛ أي: أرباب المحبة، {أَصْحَابَ النَّارِ} [الأعراف: 44] ؛ يعني: أهل نار القطيعة، {أَن قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا} [الأعراف: 44] ؛ أي: فيما قال: ألا من طلبني وجدني، {فَهَلْ وَجَدتُّم مَّا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا} [الأعراف: 44] ؛ أي: فيما قال: من يطلب غيري لم يجدني، {قَالُواْ نَعَمْ} [الأعراف: 44] فأجابوهم: بل وجدنا حقًا، {فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ} [الأعراف: 44] العزة والعظمة، {بَيْنَهُمْ أَن لَّعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ} [الأعراف: 44] الذين وضعوا استعداد الطلب في غير موضع مطلوبه، وصرفوه في مصرفه، {الَّذِينَ يَصُدُّونَ} [الأعراف: 45] ؛ أي: هم الذين يصدون القلب والروح، {عَن سَبِيلِ اللَّهِ} [الأعراف: 45] وطلبه، {وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا} [الأعراف: 45] ؛ أي: يصرفون وجوههم إلى الدنيا وما فيها، {وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كَافِرُونَ} الأعراف: 45]؛ أي: وهم منكرون على أهل المحبة فيما يطلبون فيما تأخر عن حسهم وهم يطلبون ما يدركون بالحواس الظاهرة دون ما في الآخرة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت