ثم أخبر عن الحرام علي الخواص والعوام بقوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ} [المائدة: 3] ، والإشارة أن ظاهرها كما كان خطابًا لأهل الدنيا والآخرة فباطنها عتاب لأهل الله وخاصته حرمت عليكم يا أهل الحق الميتة فهي الدنيا بأسرها، {وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ} [المائدة: 3] ، يعني: حلالها وحرامها قليلها وكثيرها وذلك لأن من الدم ما هو حلال والخنزير كله حرام، والدم بالنسبة إلى اللحم قليل واللحم بالنسبة إلى الدم كثير.
{وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ} [المائدة: 3] ، يعني: كل طاعة وعبادة وقراءة ودراسة ورواية يظهرون به لغير الله، {وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ} [المائدة: 3] ، يعني: الذين يخنقون نفوسهم بالمجاهدات ويقذونها بأنواع الرياضيات نبهها عن المرادات وزجرها عن المخالفات للرياء والسمعة، {وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ} [المائدة: 3] ، الذين يتردون بنفوسهم من أعلى عليين إلى أسفل السافلين بالتناطح مع الأقران، والمماراة مع الإخوان، والتفاخر بالعلم والزهد بين الإخوان.
وفي قوله: {وَمَآ أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ} [المائدة: 3] ، إشارة إلى أن فيما يحتاجون إليه من القوة الضرورية كونوا محترزين من أكلة السباع وهم الظلمة الذين يتهارشون في جيفة الدنيا تهارش الكلاب، ويتجاذبون بمخالب الأطماع الفاسدة، {إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ} بالكسب الحلال ووجه صالح بقدر ضرورة الحال.
{وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ} [المائدة: 3] ، فيه يشير إلى ما تذبح عليه النفوس بأنواع الحد والاجتهاد من المطالب الدنيوية والأخروية، {وَأَنْ تَسْتَقْسِمُواْ بِالأَزْلاَمِ ذالِكُمْ فِسْقٌ} [المائدة: 3] ، يعني: أن تكونوا مترددين نقالين في طلب المرام متقين بحصول المقصود، متهاونين في بذل الوجود فإذا انتهيتم عن هذه الدواعي وأخلصتم لله في الله وخرجتم عن سجن الأنانية وسجن الإنسانية بجذبات الربانية؛ فقد عاد ليلكم نهارًا وظلمتكم أنوارًا.
{الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ} [المائدة: 3] ، من النفس وصفاتها والدنيا وشهواتها، {مِن دِينِكُمْ} [المائدة: 3] ، وتيقنوا أن ما بقي لكم الرجوع إلى ملتهم والصلاة إلى قبلتهم، {فَلاَ تَخْشَوْهُمْ} [المائدة: 3] ، فإنكم خلصتم من شبكة مكائدهم ونجوتم من عقد مصائدهم، {وَاخْشَوْنِ} [المائدة: 3] ، أي: فإن كيدي متين وصيدي مبين وبطشي شديد وحسبي مديد، ثم أخبر عن إكمال الدين وإجلال أهل اليقين بقوله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} [المائدة: 3] ، والإشارة أن اليوم إشارة إلى الأول، {أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} أي: جعلت الكمالية الآن بإظهار رؤيتكم على الأديان كلها في الظاهر وأنا في الحقيقة، وسيجيء شرحه إن شاء الله.
{وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة: 3] ، تستكملون به إلى الأبد بحيث من يبتغ غير الإسلام دينًا فلن يقبل منه، وذلك لأن حقيقة الدين الذي هو سلوك سبيل الله عز وجل بعدم الخروج عن الوجود المجازي للوصول إلى الوجود الحقيقي، وأن الإنسان مخصوص به من سائر الموجودات، ولهذا الآية اختصاص بالكمالية في السلوك من سائر الأمم خالدين في عهد آدم عليه السلام كان من التكامل بسلوك الأنبياء عليه سبيل الحق إلى عهد النبي صلى الله عليه وسلم وكل نبي سلك في الدين مسلكًا أنزله بقربة من مقامات القرب؛ لكن بإخراج أحد منهم بالكلية عن الوجود المجازي للوصول إلى الوجود الحقيقي بالكمال فقيل للنبي صلى الله عليه وسلم: