فهرس الكتاب

الصفحة 478 من 1648

ثم أخبر عن مفاتيح الغيبة وأنها عنده بلا ريب بقوله تعالى: {وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ} [الأنعام: 59] ، الإشارة فيها أن الله تعالى جعل لكل شيء شهادة تناسب ذلك الشيء وغيبًا مناسب له، وجعل لمغيب كل شيء مفتاحًا يفتح به باب غيب ذلك على شهادته فيفصل ذلك الشيء كما أراد الله في الأزل وقدره، وعنده مفتاح الغيب: {لاَ يَعْلَمُهَآ إِلاَّ هُوَ} [الأنعام: 59] ؛ لأنه لا خالق إلا هو وليس لنبي ولا لولي مدخل في هذه المفاتيح ولا في استعمالها؛ لأنه مختص بالخالق فحسب ما ضرب لك مثلًا يدركه به هذه الحقيقة، وذلك مثل نقاش الصور، فإن لكل صورة فيما ينقشها شهادة وهي هيئتها، وغيب هو علم التصوير، ومفتاح يفتح به باب علم التصوير على هيئة الصورة لتنفعل الصورة ثابتة في ذهن النقاش، وهو العلم بيد النقاش لا مدخل لتصرف غيره فيه، فإن الله تعالى هو النقاش المصور والصور هي صورة المكونات المختلفة الغيبية والشهادية، وشهادة كل صورة منها خلقها وكونها وغيبها علم خلقها وتكوينها، وقلم تصويرها الذي هو مفتاح ويفتح به باب علم تكوينها على صورتها وكونها هو الملكوت فبقلم ملكوت كل شيء يكون كل شيء، وقلم الملكوت بيد الله سبحانه وتعالى، كما قال تعالى: {فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [يس: 83] ، فكما أن الشهاديات مختلفة فالملكوتيات مختلفات، ولكل شيء من الجماد والنبات والحيوان والإنسان والملك غيب مناسب لصورته، ولهذا جمع المفاتح ووحد الغيب، وقال {وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ} هو علم التكوين وهو واحد في جميع الأشياء وفي الملكوت كثرة كما في الصور، فافهم جيدًا.

{وَ} بعلم التكوين {يَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ} [الأنعام: 59] ؛ لأن به كون البر وهو عالم الشهادة، والبحر وهو عالم الغيب والملكوت يدل على هذا المعنى، قوله عالم الغيب والشهادة وبهذا العلم {وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا} لأنه مكونها ومثبتها وسقطها {وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ} [الأنعام: 59] ، أرض القلب وظلمات صفات البشرية إلا وهو يركبها ويعلم كمالها ونقصانها {وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ} [الأنعام: 59] ، الرطب المؤمن واليابس الكافر.

وأيضًا: الرطب العالم واليابس الجاهل.

وأيضًا: الرطب العارف واليابس الزاهد،.

وأيضًا: الرطب أهل المحبة واليابس أهل السلوة.

وأيضًا: الرطب صاحب الشهود واليابس صاحب الوجود.

وأيضًا: الرطب الباقي بالله واليابس الباقي بنفسه {إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ} [الأنعام: 59] ، وهو أم الكتاب.

ثم أخبر عن فعله وفضله بقوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِالَّيلِ} [الأنعام: 60] ، الآيتين الإشارة فيهما أن من فضل الله والرضا مع عباده أن يتولى مصالحهم بنفسه ليلًا ونهارًا، فقال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِالَّيلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ} [الأنعام: 60] ، وهذا تعريف نفسه بنفسه؛ يعني: فإن لم تعرفوني فأنا الذي يتوفاكم بالليل لاستراحة نفوسكم وتقوية قوتكم وسلامة حواسكم من الكلالة والطبيعة من الملالة، ويريكم في المنام ما تكسبون بالنهار، وهذا من الجنس الذي لا يعلمها إلا الله، كما قال تعالى:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت