ثم أخبر عن أهل الحق وطالبيه بالصدق بقوله تعالى: {وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ} [لقمان: 22] ، يشير إلى أن من يسلم نفسه ويخلص في ذلك قصده ويعرض عما سوى الله ويقبل وجهه على الله وهو محسن، يعني: من نعت المحسن أن يعبد الله كأنه يراه، فينبغي ألا يرى في الوجود مع الله شيئًا ومن هذا حاله، {فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى} [لقمان: 22] ، وسلك المحبة المثلى {وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الأَمُورِ} أي: عاقبة أمر التوجه يكون إلى الله بالوصول {وَمَن كَفَرَ فَلاَ يَحْزُنكَ كُفْرُهُ} [لقمان: 23] وإعراضه فإنه بالإعراض عن الله من يدعي الطلب {إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ} [لقمان: 23] بلا اختيارهم {فَنُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا} [لقمان: 23] أي: بحسب أعمالهم يخبرهم عما عملوا من الحسنات والسيئات.
{إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} [لقمان: 23] أي: عليم بما حوته الصدور من الصفات النفسانية والأخلاق الروحانية وما يتولد منها من الأعمال والأحوال قبل تولده منها، فمن كانت همته مصروفة على التمتعات الدنيوية الفانية تمتعهم من متاع الدنيا قليلًا أيام حياته القليلة.
{ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ} [لقمان: 24] لفساد استعدادهم بالتمتعات الذميمة من شهوات النفس {إِلَى عَذَابٍ} [لقمان: 24] أي: معاملات موجبة للعذاب {غَلِيظٍ} [لقمان: 24] وغلظة العذاب عبارة عن دوامه إلى الأبد {وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ} [لقمان: 25] يعني كافر النفس وصفاتها {مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} [لقمان: 25] للاحتياج به ولبقية آثار الإيمان الفطري معها.
{قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ} [لقمان: 25] على ما أبقى على النفوس أثر التوحيد {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} [لقمان: 25] قدر بقاء أثر التوحيد بل أكثرهم لا يعلمون {لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} الظاهرة والباطنة فإنها خزائنه كما قال: {وَلِلَّهِ خَزَآئِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [المنافقون: 7] {إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ} بذاته وصفاته قبل خلق السماوات والأرض وبعده وكلمة هو تكون للحصر أي: هو الغني وحده وليس معه غني آخر، ودليله قوله تعالى: {وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنتُمُ الْفُقَرَآءُ} [محمد: 38] {الْحَمِيدُ} في ذاته وصفاته وإن لم يكن له حامد فهو الحامد لنفسه.