فهرس الكتاب

الصفحة 759 من 1648

{قَالُوا إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ} [يوسف: 77] الإشارة فيها أن إخوة يوسف القلب وهم أوصاف البشرية {قَالُوا} تهمة على يوسف القلب وأخيه بنيامين وإن كانا أخوين من أعزة أولاد يعقوب الروح وأطهرهم وأشرفهم وأحبهم إلى أبيهم منهم، فإنهما قابلان لتهمة السرقة في بدء الأمر وهي الإسراف من شهواته الدنيوية النفسانية على أنهما مخصوصان بحظوظ الأخروية الروحانية؛ فلمَّا سمع يوسف القلب ما اتهم وأخيه به من السرقة من قبل أخوته من أوصاف البشرية على أن الخيانة والسرقة من شأنهم.

{فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ} [يوسف: 77] إن هذا من شأنكم وصنيعكم بنا، {قَالَ} [يوسف: 77] في نفسه، {أَنْتُمْ شَرٌّ مَّكَانًا} [يوسف: 77] في الخيانة ممن مشبوه بها، {وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ} [يوسف: 77] أنه من صفتنا أو صنيعكم.

وفي قوله: {قَالُواْ يأَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ} [يوسف: 78] إشارة إلى أن أوصاف البشرية لما رأت عزة القلب وعلمت أنه يملك مصر القالب وصار عزيزها، وعرفت اختصاص البشرية بفدائها النفس، وجعلت هذه الفدية وسيلة، وقربة إلى يعقوب الروح، وسببًا لإرضاء القلب لانتفاعها من أجسادكما قال {إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ} [يوسف: 78] وإحسانه التجاوز عن إساءتهم والتقرب إليهم بدل إساءتهم إليه.

{قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَن نَّأْخُذَ إِلاَّ مَن وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِندَهُ} [يوسف: 79] أي: معاذ الله أن نقبل بالصحبة والمخالطة من لم يكن جنسنا، ويكون صحبة معنا بالكراهية والنفاق إلا من وجدنا متاعنا من الصدق والمحبة والطلب والإخلاص، وسر نظر العناية الإلهية عنده وإن قبلنا من لم يكن مخلصًا مستحقًا لصحبتنا ولم نجد عنده متاعنا، {إِنَّآ إِذًا لَّظَالِمُونَ} [يوسف: 79] واضعون الشيء في غير موضعه.

{فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا} [يوسف: 80] أوصاف البشرية من القلب أن يقبلهم بالصحبة، {مِنْهُ خَلَصُواْ نَجِيًّا} [يوسف: 80] أي: خلصوا عن أوصافهم الذميمة في التناجي، {قَالَ كَبِيرُهُمْ} [يوسف: 80] وهو صفة العقل، {أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ} [يوسف: 80] يعني: الروح، {قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَّوْثِقًا مِّنَ اللَّهِ} [يوسف: 80] يعني: يوم الميثاق {أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللَّهَ} [هود: 2] .

{وَمِن قَبْلُ مَا فَرَّطتُمْ فِي يُوسُفَ} [يوسف: 80] القلب بأن ألقيتموه في جُبِّ البشرية، {فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ} [يوسف: 80] فناء القلب وهي الصدر، {حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ} [يوسف: 80] إشارة الله إلى أن صفة العقل لما كلفت عن أوصاف البشرية خرجت عن أوامر النفس وتصرفاتها، ويصير محكومة لأوامر الروح، ومستسلمة لأحكام الحق والخير له في الاستسلام لأحكامه؛ لأنه {خَيْرُ الْحَاكِمِينَ} .

وفي قوله: {ارْجِعُوا إِلَى أَبِيكُمْ} [يوسف: 81] إشارة إلى أن العقل المخلص من أوصاف البشرية يحكم على أوصاف البشرية بالرجوع إلى عالم أبيهم الروح على أقدام العبودية، وتبديل أخلاقه الذميمة بالحميدة، {فَقُولُواْ يَا أَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ} [يوسف: 81] بنيامين، {سَرَقَ} [يوسف: 81] أي: أخذ بالسرقة؛ لأنه وجد في رحله سقاية الملك؛ أي: محبة الله تعالى هي مشربة له، وبها يكتال الملك على وفده من محبته وطالبيه لقوله تعالى: {يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} [المائدة: 54] .

{وَمَا شَهِدْنَآ إِلاَّ بِمَا عَلِمْنَا} [يوسف: 81] من ظهور أحواله، {وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ} [يوسف: 81] أي: ما كنا عند ارتحالنا من الغيب إلى الشهادة حافظين بأن جعل السقاية في رحله محيط بنا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت