فهرس الكتاب

الصفحة 655 من 1648

ثم أخبر عن ظهور الأحوال بصدور الأعمال بقوله تعالى: {وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ} [التوبة: 105] يشير إلى أن عمل المحسن يخلص إلى السماوات بقدر قوة صدقة وإخلاصه، فالله تعالى يراه بنور ألوهيته، وروح الرسول صلى الله عليه وسلم يراه بنور نبوته، وأرواح المؤمنين بنور إيمانهم، فاستعلاء ذلك النور وصفاؤه وضوؤه يكون على قدر علو همة المحسن وخلوص نيته وصفاء طويته، وإن لعمل المسيء ظلمة تصعد إلى السماوات بقدر قوة عقليته وخباثة نفسه، فإنه تعالى يراها وروح رسوله وأرواح المؤمنين، {وَسَتُرَدُّونَ} [التوبة: 105] بأقدام أعمالكم.

{إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ} [التوبة: 105] أي: إلى الله الذي هو عالم بما غاب عنكم وغبتم عنه، فأمَّا ما غاب عنكم فهو نتائج أعمالكم من الخير والشر وجزاؤها فإنها إن لم تغب عنكم زدتم في الخير وما عملتم شرًا، وأمَّا ما غبتم عنه فهو تقدير الأزل والحكمة فيما جرى به القلم من أعمال الخير والشر وعالم بما تشاهدون بالعيون والقلوب في الملك والملكوت، {فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [التوبة: 105] فيجزيكم بمكافآت أعمالكم نتائج الخير والشر الذي قد غاب عنكم حين مباشرة أعمالكم الخير بالخير والشر بالشر فتعلمون ما كنتم تعملون.

ثم أخبر عن الموقوفين لقضائه وقدره لقوله تعالى: {وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأَمْرِ اللَّهِ} [التوبة: 106] يشير إلى الحكمة الأزلية التي اقتضت إقدام بعض النفوس على الذنوب وتأخير توبتهم وهم مترددون بين الخوف والرجاء، {إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ} [التوبة: 106] ولهم فيما بين ذلك تربية؛ ليطيروا بجناحي الخوف والرجاء إلى أن يصلوا إلى مقام الفيض والبسط إلى أن يبلغوا سرادقات الأنس والهيبة، ثم ليطيروا بجناحي الأنس والهيبة إلى قاب قوسين الستر والتجلي والوحدة، {وَاللَّهُ عَلِيمٌ} [التوبة: 106] بتربية عباده، {حَكِيمٌ} [التوبة: 106] بمن يصلح للقرب والقبول ومن يصلح للبعد.

ثم أخبر عن إرادة أهل النفاق بأعمال أهل الوفاق بقوله تعالى: {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا} [التوبة: 107] إلى قوله: {وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [التوبة: 110] يشير به إلى أهل الطبيعة اتخذوا مزبلة النفس مسجدًا ضرارًا لأرباب الحقيقة وكفروا بأحوالهم، كما أنهم اتخذوا بستان القلب مسجدًا يذكرون الله في ويطلبونه، وهذا وصف مدعي الطلب الكذابين في دعواهم المتشبهين بزي أرباب الصدق والطلب، {وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ} [التوبة: 107] الطالبين الصادقين بإظهار الدعوى من غير المعنى أن يفرقوا بين الأحوال في الله، وفي طلبه بأنواع الحيل تارة بطلب صحته معهم ومرافقتهم في الأسفل، وتارة بذكر البلدان وكثرة النعم فيها وطيب هوائها وكرم أهلها وإرادتهم بهذه الطائفة؛ ليزجوهم عن خدمة المشايخ ومحبة الإخوان.

{وَإِرْصَادًا لِّمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُ} [التوبة: 107] ليوفقهم في بلاء صحبة الإباحة من مدَّعي الفقر والمعرفة وهم يحاربون الله بترك دينه وشريعته وإحياء سنته، {وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ الْحُسْنَى} [التوبة: 107] فيما دعوناكم إليه، {وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} [التوبة: 107] فيما يدعون ويحلفون، {لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا} [التوبة: 108] يخاطب رسول الهداية والعناية لا تقم في مزبلة النفس، وإن اتخذت مسجدًا مشابهًا لمساجد القلوب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت