فهرس الكتاب

الصفحة 556 من 1648

{قَالَ إِن كُنتَ جِئْتَ بِآيَةٍ} [الأعراف: 106] تدل على صدق دعواك، {فَأْتِ بِهَآ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ} [الأعراف: 106] لعلنا نهتدي بها، {فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ} [الأعراف: 107] وإنما جعل الله تعالى عصاه ثعبانًا؛ لأنه أضاف العصا إلى نفسه حين قال له: {وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى} [طه: 17] قال: {هِيَ عَصَايَ} [طه: 18] ، ثم جعلها متوكأ، فقال: {أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي} [طه: 18] ، ثم جعلها محل حاجاته، فقال: {وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى} [طه: 18] ، فيه إشارة بأن كل شيء أضفته إلى نفسك ورأيته محل حاجاتك فإنه ثعبان يبتلعك، ولهذا قال القهار: {يَا مُوسَى} ؛ يعني: لا تمسك بها ولا تتوكأ عليها، وإلا كان قادرًا على أن يجعلها في يده ثعبانًا فلما ألقاها من يده {وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَآءُ لِلنَّاظِرِينَ} [الأعراف: 108] فيه إشارة إلى أن الأيدي قبل تعلقها بالأشياء وتمسكها بها كانت بيضاء نقية نورانية، فلما تمسكت بالأشياء صارت ظلمانية، فكما ترغب عنها تصير بيضاء كما كانت، فافهم جدًّا.

وإنما قال: {بَيْضَآءُ لِلنَّاظِرِينَ} ؛ لأنه تعالى أظهر النور الروحاني على اليد الجسماني؛ ليكون منظورًا للناظرين، فإن اليد الروحاني لموسى عليه السلام كانت نورانية في جميع الأوقات ولكن ما كانت منظورة للناظرين، فلما أظهر نورانيتها في بعض الأوقات خرقًا للعادات على يده الجسمانية صارت منظرة للناظرين، {قَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ} [الاعراف: 109] .

فلما لم يكن لهم بصيرة ترى بها الآيات نظروا ببصر البشرية فرأوا الآيات سحرًا والنبي ساحرًا {يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُمْ مِّنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ} [الأعراف: 110] ، ولا شك في أن موسى عليه السلام أراد أن يخرجهم من أرضهم، ولكن من أرض بشريتهم الظلمانية إلى نور الروحانية، {قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ} [الأعراف: 111] ، توهموا أنهم بالتأخير وحسن التدبير وبذل الجد والتشمير يغيرون شيئًا من التقدير، ولم يعلموا أن الحق غالب والحكم سابق، وعند حلول الحكم فلا سلطان للعلم والفهم، {وَجَآءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالُوا إِنَّ لَنَا لأَجْرًا إِن كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ} [الأعراف: 113] ظنوا أنهم يغلبون بما يسحرون، وأن لهم أجرًا وإن كانوا هم الغالبين، ولم يعلموا أن تأثير القدرة فيهم أبلغ من تأثير سحرهم، وإن أجرهم فيما لو كانوا مغلوبين.

{قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ} [الأعراف: 114] أجرى تعالى هذا على لسان فرعون حقًا، وصدق بأنهم صاروا من المقربين عند الله لا عند فرعون، {قَالُواْ يَا مُوسَى إِمَّآ أَن تُلْقِيَ} [الأعراف: 115] فلمَّا أكرموا موسى بالتقدم وعظموه بالاستئذان أكرمهم الله بالسجود والإيمان، قال ألقوا: {وَإِمَّآ أَن نَّكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ} [الأعراف: 115] .

{قَالَ أَلْقُوْاْ فَلَمَّآ أَلْقَوْاْ سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَآءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ} [الأعراف: 116] ؛ أي: عظيم في الإثم، كما قال: {سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ} [النور: 16] وعظم إثم السحر لمعارضته بالمعجزة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت