ثم أخبر عن نعمة بعثة النبي وإعراضهم عن القبول بقوله تعالى: {لَقَدْ جَآءَكُمْ} [التوبة: 128] أي: من الله، {رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ} [التوبة: 128] في البشرية، وهذا تسكين العوام لئلا ينفروا عنه ويمتنعون عن متابعته ويقولوا: لا طاقة لنا بمتابعته؛ لأنه ليس من جنسنا في البشرية، نظيره قوله تعالى: {قُلْ إِنَّمَآ أَنَاْ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ} [الكهف: 110] وفيه إشارة الخواص؛ إذ يقولون: إن أحدًا من جنس البشرية أوصل إلى هذه المراتب العلية والمقامات السنية بالاستقلال، فيحتمل أن يصل في متابعته إليها كما قال تعالى: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران: 31] ومقام المحبوبية من أشرف المقامات وأعلاها، فلما تحصل بالمتابعة فأدناها أولى بالحصول، وأما بقراءة من قرأ أنفسكم - بفتح الفاء - فيشير به إلى نفاسة جوهرة في أصل الخلقة؛ لأنه أول جوهرًا يدعه الله تعالى كما قال:"أول ما خلق الله روحي".
وأيضًا يشير به إلى نفاسة جوهره في الخلاص عن تعلق الكونين وبلوغه إلى قاب قوسين وعروجه إلى مقام أو أدنى وعلو همته؛ {إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى * مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى} [النجم: 16 - 17] واختصاصه برؤية القدر؛ أي: من آيات ربه الكبرى وتحليته بحليته، {فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَآ أَوْحَى} [النجم: 10] ، {عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ} [التوبة: 128] أي: يشق عليه انقطاعكم عن الله تعالى: {حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ} [التوبة: 128] في إيصالكم إلى الله تعالى وإنزالكم {فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ} [القمر: 55] ، {بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ} [التوبة: 128] لتربيتهم في الدين المتين بالرفق، كما قال صلى الله عليه وسلم:"هذا الدين متين فأوغلوا فيه بالرفق وبالرحمة يعفو عنهم سيئاتهم"كما أمره الله تعالى {فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ} [المائدة: 13] .
وفي قوله: {بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ} [التوبة: 128] في حق نبيه صلى الله عليه وسلم، وفي قوله تعالى لنفسه عز وجل: {إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ} [الحج: 65] ، وفيه لطيفة شريفة وهي: أن النبي صلى الله عليه وسلم لمَّا كان مخلوقًا كانت رأفته ورحمته مخلوقة فصارت مخصوصة بالمؤمنين لضعف الخلقة، وأن الله تعالى لمَّا كان خالقًا كانت رأفته ورحمته قديمة، فكانت عامة للناس لقوة الخالقية من الناس كان قابلًا للرأفة والرحمة النبوية؛ لأنها كانت من نتائج الرأفة والرحمة الخالقية، كما قال تعالى: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ} [آل عمران: 159] .
{فَإِن تَوَلَّوْاْ} [التوبة: 129] أي: أعرضوا عن قبول نصحك ورأفتك، ورحمتك ولم يسعوك في طلب الحق، {فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ} [التوبة: 129] .
يشير إلى أن تبليغ الرسالة للنبي صلى الله عليه وسلم كان موجبًا لقربته إلى الله تعالى وقبوله، فلمَّا بلغ رسالته فقد تم مقصوده من الله تعالى وقربته إن قبلوا منه أو اعرضوا عنه {لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ} [التوبة: 129] أي: لا مقصود ولا مطلوب في جميع الأحوال، {عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ} [التوبة: 129] أي: هو العظيم الذي يحتاج العرش مع عظمته إلى ربوبيته مع اختصاص العرش باستواء صفة رحمانيته عليه - واللهُ أعلم - إن قبلوا منه أو أعرضوا عنه، {لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ} [التوبة: 129] أي: المقصود ولا مطلوب ولا محبوب ولا معبود لي فيما عملت إلا الله، {عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ} [التوبة: 129] أي: هو كان مقصودي ومطلوبي في جميع الأحوال، {وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ} [التوبة: 129] أي: هو العظيم الذي يحتاج العرش مع عظمته إلى ربوبيته مع اختصاص العرش باستواء صفة رحمانيته عليه.