{وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ} [التوبة: 125] مرض القلب ظلمة شكه ونفاقه وكفره وهو ضد سلامته وسلامة القلب خلوة من الظلمة لحصول النور فيه، {فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ} [التوبة: 125] أي ظلمة إلى ظلمتهم؛ لأنه إن كان في الإيمان بكل حرف وآية من القرآن نور، فكذلك في الإنكار والكفر بكل حرف وآية من القرآن ظلمة، فيضم إلى ظلمة الكفر والإنكار المتمكن به في القلب المريض فيزيد في مزيد رجس كفرهم ونفاقهم، {وَمَاتُواْ وَهُمْ كَافِرُونَ} [التوبة: 125] يشير إلى أن موت القلب مودع في الكفر والنفاق.
ثم أخبر عن موت القلب بقوله تعالى: {أَوَلاَ يَرَوْنَ} [التوبة: 126] كل، {أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ} [التوبة: 126] بالبلاء والمصائب، {فِي كُلِّ عَامٍ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ} [التوبة: 126] وهذه الفتنة موجبة لانتباه القلب الحي نظيره قوله تعالى: {وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِّنَ الْعَذَابِ الأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الأَكْبَرِ} [السجدة: 21] .
وقوله تعالى: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ} [ق: 37] أي: قلب حي، {ثُمَّ لاَ يَتُوبُونَ} [التوبة: 126] إلى الله، {وَلاَ هُمْ يَذَّكَّرُونَ} [التوبة: 126] ويتعظون من قلوبهم ميتة والقلب الميت لا يرجع إلى الله ولا يؤثر فيه نصح الناصحين كما قال تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: {إِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ الْمَوْتَى} [النمل: 80] ، وقال تعالى: {لِّيُنذِرَ مَن كَانَ حَيًّا} [يس: 70] أي: من كان قلبه حيًا.
ثم أخبر عن أمارات القلوب الميتة فقال تعالى: {وَإِذَا مَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ نَّظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ} [التوبة: 127] بالإنكار عليها والإنكار من أمارات موت القلب، كما أن التصديق والإقرار من أمارات حياة القلب، {هَلْ يَرَاكُمْ مِّنْ أَحَدٍ} [التوبة: 127] أي يقول رآكم أحد في مقام الإنكار والنفاق يريدون به النبي صلى الله عليه وسلم؛ يعني: نحن ننكر القرآن ومحمد بالرسالة فهل يرى محمد إنكارنا على رسالته وعلى القرآن؟ فإنه إن كان رسولًا يرانا بنور رسالته ويخبره الله عن حالنا، {ثُمَّ انْصَرَفُوا} [التوبة: 127] على هذه الحسبان والغرور؛ لأنه {صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُم} [التوبة: 127] بإنكارهم وحسبانهم عن الإيمان ورؤية الحق بأنهم؛ أي: ذلك الصرف، {بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ} [التوبة: 127] أي: ليس له فقه القلب من أمارات حياته وهو رؤية الحق وحياة القلب بالنور كما قال تعالى: {أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ} [الأنعام: 122] ، فافهم جدًّا.