فهرس الكتاب

الصفحة 310 من 1648

وفي قوله تعالى: {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ} إشارة إلى: إن تلك الوراثة والأنصباء حدود حدها الله لورثة الدين على قدر تعارف أرواحهم في عالم الأرواح، وعلى نسبته مناسبًا في القرابة النسبية والسببية، كما قال صلى الله عليه وسلم:"الأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف".

{وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} [النساء: 13] فقد حق نسبته في الدين، {يُدْخِلْهُ} [النساء: 13] نسبه، {جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا} [النساء: 13] على قدر استحقاقه في الوراثة المحققة بالطاعة؛ لأنه من الوارثين {الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ} [المؤمنون: 11] ، {وَذلِكَ} [النساء: 13] الوراثة والميراث، {الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [النساء: 13] .

{وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} [النساء: 14] فقد حق إبطال نسبته في الدين، {وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ} [النساء: 14] في الوراثة بقرابة الدين عصيانه ويعذبه {يُدْخِلْهُ نَارًا} [النساء: 14] ؛ اي: نار القطيعة والحرمان على قدر استحقاقه في المعصية والتعدي، {خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ} [النساء: 14] من هذا الخلود في نار الحسرة والحرمان، وفوات نعيم الجنان ولقاء الرحمن.

ثم أخبر عن مهاد أهل الفواحش بقوله تعالى: {وَاللاَّتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِن نِّسَآئِكُمْ} [النساء: 15] ، إشارة في الآيتين: إن اللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم هي النفوس الأمارة بالسوء، والفاحشة: ما حرمته الشريعة من أعمال الظاهر وهي المعاصي، وحرمته الطريقة من أحوال الباطن وهي الركون إلى غير الله تعالى، يدل عليه قوله تعالى: {إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ} [الأعراف: 33] ، فما ظهر منها فهو الأعمال، وما بطن منها فهو الأحوال، وقال صلى الله عليه وسلم:"لسعد غيور وأنا أغير منه والله أغير منا"؛ ولهذا حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، {فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ} [النساء: 15] ؛ أي: على النفوس بإتيان الفاحشة، {أَرْبَعةً مِّنْكُمْ} [النساء: 15] ؛ أي: من خواص العناصر الأربعة التي أنتم منها مركبون وهي:

التراب: ومن خواصه الخسة والركاكة، والذلة والطمع، والمهانة واللوم، والماء: ومن خواصه اللين والعجز والكسل، والأنوثة والخبوثة، والشره في المأكل والمشرب، والهواء: ومن خواصه الحرص والحسد والبخل، والحقد والعداوة، والشهوة والزينة، والنار: ومن خواصها التبختر والتكبر، والفجر والصلف، والغضب والحدة وسوء الخلق وغير ذلك مما يتعلق بالأخلاق الذميمة، ورأسها حب الدنيا والرياسة واستياء لذاتها وشهواتها، {فَإِن شَهِدُواْ} [النساء: 15] ؛ أي: يظهر بعض هذه الصفات من النفوس، {فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ} [النساء: 15] ، فاحبسوهن في سجن المنع عن التمتعات الدنيوية، فإن الدنيا سجن المؤمن، وأغلقوا عليهن أبواب الحواس الخمس {حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ} [النساء: 15] ؛ أي: تموت النفس إذا انقطع عنها حظوظها دون حقوقها، إلى هذا أشار بقوله صلى الله عليه وسلم:"موتوا قبل أن تموتوا"، {أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا} [النساء: 15] ، بانفتاح روزنة القلوب إلى عالم الغيب، فتهب منها ألطاف الحق وجذبات الإلوهية التي جذبة منها توازي عمل الثقلين.

{وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنكُمْ} [النساء: 16] ؛ أي: النفس والغالب اللذان يأتيان الفواحش في ظاهر الأفعال والأعمال، وباطن الأحوال والأخلاق {فَآذُوهُمَا} [النساء: 16] ، ظاهرًا بالحدود، وباطنًا بترك الحظوظ وكثرة الرياضات والمجاهدات، {فَإِن تَابَا} [النساء: 16] ظاهرًا وباطنًا، {وَأَصْلَحَا} [النساء: 16] كذلك {فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمَآ} [النساء: 16] باللطف بعد العنف، وبالرفق بعد الخرق، وباليسر بعد العسر، {فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا} [الشرح: 5] ، {إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا} [النساء: 16] ، لمن تاب، {رَّحِيمًا} [النساء: 16] لمن أصلح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت