فهرس الكتاب

الصفحة 973 من 1648

ثم أعرض عن أحوال أفعاله بقوله تعالى: {الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا} [طه: 53] إلى قوله: {مَنِ اسْتَعْلَى} [طه: 64] فبقوله: {الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا} [طه: 53] يشير إلى أن الحكمة في خلق الأرض هي أن تكون الأرض مهدًا لكم {وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا} [طه: 53] أي: لأجلكم لا لغيركم {وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَآءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّن نَّبَاتٍ شَتَّى * كُلُواْ وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ} [طه: 53 - 54] به يشير إلى أن السماء والماء والنبات والأنعام كلها مخلوقة لكم ولسد احتياجكم للتعيش بهذه الأشياء، بل بجميع المخلوقات ما خلقتها.

{إِنَّ فِي ذلِكَ لآيَاتٍ لأُوْلِي النُّهَى} [طه: 54] أي: إن في ذلك التقدير رسالات ودلالات لذوي البصائر أنها خلقت لأجلهم؛ لأنهم كانوا أهل المعرفة، وخلقت المخلوقات فجاء صلى الله عليه وسلم لخلق المعارف كما قال في الحديث الرباني:"كنت كنزًا مخفيًا فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق لأعرف"، وفيه معنى آخر وهو: إن في ذلك الذي مرَّ ذكره ومن السماوات والأرض وما بينهما لآيات بأنه مظهر صفات لطف الحق ومظهر صفات قهره، فإنهم يشاهدون فيه جمال لطفه وجلال قهره ستر الله سترًا بستر وإضمارًا بإضمار.

قوله: {مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ} [طه: 55] أي: من ذرة التراب التي أمر الله تعالى عزرائيل أن يأخذ من جميع الأرض {وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ} [طه: 55] أي: إلى الموضع الذي أخذ منه {وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى} [طه: 55] بعد أن يجعل لكم جسدًا مستعدًا للبقاء الأبدي، ثم قال: {وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ} [طه: 56] يعني: فرعون {آيَاتِنَا كُلَّهَا} [طه: 56] أي: كل آية نهدي بها أهل البصيرة {فَكَذَّبَ} [طه: 56] بها إذ لم يكن أهل البصيرة {وَأَبَى} [طه: 56] ألا يؤمن بها.

{قَالَ} [طه: 57] أي: فرعون. {أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَا مُوسَى} [طه: 57] وإنما قال هذا؛ لأنه كان من أهل البصر لا أهل البصيرة، فكان مطرح نظر بصره الدنيا وما فيها، فرأى مجيء موسى لإخراجه من مملكة الدنيا ولو كان ذا بصيرة لرأى مجيئه لإخراجه من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان، ومن ظلمات البشرية إلى نور الروحانية، ومن نور ظلمات الإنسانية إلى نور الربانية، فلمَّا رأى ببصر الحس المعجزة سحرًا قال: {فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِّثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لاَّ نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلاَ أَنتَ مَكَانًا سُوًى} [طه: 58] وإنما طلب الوعد؛ لأن صاحب السحر محتاج في تدبير السحر إلى طول الزمان وصاحب المعجزة لا يحتاج في إظهار المعجزة إلى الوعد {قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَن يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى} [طه: 59] يعني: يوم عيدهم الذي يجتمع فيه الناس من كل مكان؛ ليكون بمشهد خلق عظيم لعلهم يستجيبون عنهم، فلا ينكرون المعجزة بعد إبطال السحر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت