فهرس الكتاب

الصفحة 311 من 1648

ثم أخبر عن التوبة والثواب، والتأيب الآيب إلى الباب بقوله تعالى: {إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ} [النساء: 17] ، إشارة في الآيتين: إنما التوبة على الله التي أوجب الله تعالى بفضله على ذمة كرمه قبولها، إنما هي توبة {لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ} [النساء: 17] فحسب، فإن للنفس الأمارة صفتين: الظلومية والجهولية، والجهولية داخلة في الظلومية؛ لأن الظلومية تقتضي المعصية والإصرار عليها، والإصرار على المعصية يؤدي إلى الشرك، والشرك يميت القلب، ولهذا وصف الله تعالى الشرك بالظلم العظيم وقال: {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [لقمان: 13] ، والجهولية تقتضي المعصية فحسب، فالعمل إذا كان مصدره الجهولية فحسب يكون على عقبه التوبة، كما قال تعالى: {ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ} [النساء: 17] ، وللقريب هاهنا معنيان:

أحدهما: أن تكون التوبة عقيب المعصية فيقبلها الله فيمحوها بها، كما قيل في قوله تعالى: {إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} [هود: 114] والحسنات: هي التوبة عقبيها في قوله صلى الله عليه وسلم:"أتبع السيئة الحسنة تمحها الحسنة"؛ هي التوبة، والمعنى الثاني: من قريب؛ أي: قبل أن يموت القلب بالإصرار، فإن الله لا يقبل التوبة من قلب ميت؛ لأنها تكون باللسان اضطرارية، وبالقلب اختيارية، {فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ} [النساء: 17] ؛ يعني: هذا الذي أوجب الله تعالى بفضله على ذمة كرمه قبل خلقهم أن يوفقهم للتوبة، {وَكَانَ اللَّهُ} [النساء: 17] في ذلك التقدير، {عَلِيمًا} [النساء: 17] بمن يتوب عقيب المعصية، {حَكِيمًا} [النساء: 17] ، فيما قدر ودبر من الأمور.

{وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ} [النساء: 18] ؛ يعني: المقبولة {لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ} [النساء: 18] المصرين عليها من الظلومية، {حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ} [النساء: 18] ؛ يعني: موت القلب بالإصرار، {قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ} [النساء: 18] ، باللسان اضطرارًا، أو يتوب بترك عمل السوء تكلفًا، ولا يرجع قلبه إلى الله تعالى، فإن أصل التوبة الرجوع بالكلية إلى الله تعالى ظاهرًا وباطنًا، {وَلاَ الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ} [النساء: 18] ؛ يعني: ولا يقبل توبة من يموت وقلبه ميت بالكفر، {أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ} [النساء: 18] ؛ أي: قدر قبل خلقهم {عَذَابًا أَلِيمًا} [النساء: 18] ؛ أي: عذاب الكفر في الدنيا وهو مؤلم في الآخرة.

ثم أخبر عن أهل الإيمان، ونهاهم عن عقل النسوان بقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ النِّسَآءَ كَرْهًا} [النساء: 19] ، إشارة في الآيات: إن الله تعالى أرشد بقوله: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ النِّسَآءَ كَرْهًا} [النساء: 19] ، إلى أن هذه المعاملات من عضل النسوان، ومنعهن من الزواج طمعًا في ميراثهن، أو إضرارهن ليفتدين منكم، {وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَآ آتَيْتُمُوهُنَّ} [النساء: 19] ؛ لتذهبوا ببعض ما أتيتموهن من المهور، أو تأخذون ما أعطيتموهن من المهر ولو كان قنطارًا، {إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍمُّبَيِّنَةٍ} [النساء: 19] .

ثم أرشدهم إلى سبيل المؤمنين وأخلاق الموحدين بقوله تعالى: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا} [النساء: 19] ، وتصبروا عليه لله تعالى: {وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا} [النساء: 19] في الدنيا والآخرة، فإن الخير الكثير ما يكون باقيًا ولا يكون الفاني إلا قليلًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت