فهرس الكتاب

الصفحة 841 من 1648

ثم أخبر عن الإحسان مع المحسن والإساءة مع المسيء بقوله تعالى: {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِلاَّ بِالْحَقِّ} [الحجر: 85] إلى قوله: {لِلْمُؤْمِنِينَ} [الحجر: 88] .

{وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِلاَّ بِالْحَقِّ} أي: لإظهار الآيات الحق بالحق لأرباب الحق المكاشفين بصفات الحق فإنه لا شعود للسماوات والأرض وما بينهما غير الإنسان بأنها مظهر لآيات الحق، وإنما الشعود بذلك للإنسان الكامل، كما قال تعالى: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ الَّيلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُوْلِي الأَلْبَابِ} [آل عمران: 190] وهم الذين خلص لبّ أخلاقهم الربانية عن قشر صفاتهم الإنسانية، وفيه معنى آخر {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ} أي: سماوات الأرواح {وَالْأَرْضَ} أي: أرض الأشباح وما بينهما من النفوس والقلوب والأسرار والخفيات إلا بالحق ومظهره، فإن الإنسان مخصوص به من سائر المخلوقات والمكونات؛ لأنه بجميع مبانيه الظاهرة ومعانيه الباطنة مرأة لذات الحق تعالى وصفاته فهو مطهره عند التزكية والتنقية، ومطهره عند التحلية والتجلية به لشعوره بذلك، كما كان حال من صقل مرآته عن صدأ أنانيته وتجلى بشهوة هويته عند تجلي ربوبيته بالحق، فقال أنا الحق، ومن قال بعد فناء أنانيته عن بقائه بسبحانيته سبحاني ما أعظم شأني.

وفي قوله: {وَإِنَّ السَّاعَةَ لآتِيَةٌ} [الحجر: 85] إشارة إلى أن قيامة العشق لآتية لنفوس الطالبين العارفين من أصحاب الرياضات في مكابدة النفس ومجاهدتها؛ لأن الطلب والصدق والاجتهاد من نتائج عشق القلب، وأنه سيهتدي إلى النفس لكثرة الاجتهاد في رياضتها، فتموت عن صفاتها في قيامة العشق، ومن مات فقد قامت قيامته {فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ} [الحجر: 85] يا أيها الطالب الصادق عن النفس المرتاضة بأن تواسيها وتدارسها، ولا تحمل عليها إصرًا، ولا تحملها ما لا طاقة لها به، فإن قيامة العشق تحصل من تزكية النفس في لحظة واحدة ما لا يحصل بالمجاهدة في سنين كثيرة؛ لأن العشق جذبه الحق، وقال صلى الله عليه وسلم:"جذبه من جذبات الحق توازي عمل الثقلين" {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلاَّقُ الْعَلِيمُ} [الحجر: 86] يشير بالخلاق وهو للمبالغة إلى أنه تعالى خالق لصور المخلوقات ومعانيها وحقائقها العليم بمن خلقه مستندًا لمظهرية ذاته وصفاته ومظهريته، فلما كانت السماوات والأرض وما بينهما مظهر الصفات الحق تعالى دون ذاته ولا شعور لها به، ولم تكن مظهرًا لذاته وصفاته وكان الإنسان الكامل.

{وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا} [الحجر: 87] وأي سبع صفات ذاتية لله تبارك وتعالى وهي السمع والبصر والكلام والجياة والعلم والإرادة والقدرة {مِّنَ الْمَثَانِي} [الحجر: 87] أي: من خصوصية المثاني وهي المظهرية والمظهرة لذاته وصفاته المختفية بالإنسان، فإن في غير الإنسان لم يوجد إلا وحدانًا من المظهرية، كما شرحنا ولو كان ملكًا، ومن ها هنا يكشف سر من أسرار

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت