{وَالَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ} [الرعد: 25] يشير إلى ما عاهدهم عليه يوم الميثاق حين أخرج ذرات ذرياتهم من صلب آدم أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا، ويحبونه ولا يحبوا معه شيئًا إلا له، فنقضوا العهد وعبدوا غيره، وأشركوا به الأشياء وأحبوها للهوى {وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ} [الرعد: 25] أي: صلة رحم العبودية في طلب وصال الربوبية {وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ} [الرعد: 25] ؛ أي: يسعون في إفساد أرض الاستعداد الإنسانية لقبول الفيض الربانية، {َأُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ} [الرعد: 25] أي: الطرد والبعد والفراق {وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ} [الرعد: 25] أي: دار القطيعة والهجران وأليم عذابها.
{اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ} [الرعد: 26] الكشوف والشهود {لِمَنْ يَشَآءُ} من عباده المحبين والمحبوبين {وَيَقَدِرُ} [الرعد: 26] أي: يضيق لمن فتح عليهم أبواب الدنيا وشهواتها؛ فأغرقهم فيها {وَفَرِحُواْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [الرعد: 26] أي: باستيفاء لذاتها {وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ} [الرعد: 26] أي باستيفاء لذاتها في الآخرة بالنسيبة إلى من عبر عنها، ولم يلتفت إليها فيجد في آخرها ما يجد {إِلاَّ مَتَاعٌ} أي: متاع أيام قلائل بأدنى شيء خسيس، فإن به {وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُواْ} [الرعد: 27] كفروا الحق بالباطل {لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ} [أي: على من يدعو الخلق إلى الحق به {آيَةٌ} [الرعد: 27] ظهرة {مِّن رَّبِّهِ} من المعجزات والكرامات، كما نزل على بعض ليستدلوا بها على صدق دعوتهم.
{قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَآءُ} [الرعد: 27] أي: يضله إليه مطالبًا مشتاقًا بجماله {وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ} [الرعد: 27] أي: يرشد الطالب وهو من أهل الهداية في البداية، وليس ممن يشاء الله ضلالته في الأزل {الَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} [الرعد: 28] يعني: أهل الهداية هم الذين آمنوا، ولتعلم أن القلوب أربعة:
قلب قاسٍ: وهو قلب الكفار والمنافقين فاطمئنانه بالدنيا وشهواتها؛ لقوله تعالى: {وَفَرِحُواْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [الرعد: 26] واطمأنوا بها.
وقلب ناسٍ: وهو قلب المسلم كقوله تعالى: {فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا} [طه: 115] فاطمئنانه بذكر الله؛ كقوله تعالى بالتوبة ونعيم الجنة؛ كقوله تعالى: {فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى} [طه: 122] .
وقلب مشتاق: وهو قلب المؤمن المطيع، فاطمئنانه بذكر الله كقوله تعالى: {الَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ} [الرعد: 28] .
وقلب وجداني: وهو قلب الأنبياء وخواص الأولياء فاطمئنانه بالله وصفاته كقوله تعالى لخليله عليه السلام في جواب قوله: {أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} [البقرة: 260] بإراءتك بأي كيفية إحياء الموتى إذا تجلى لقلبي بصفة محبتك فأكون يحيي الموتى؛ ولهذا إذا تجلى الله تبارك وتعالى على قلب العبد يطمئن به، فينعكس نور الاطمئنان من مرآة قلبه على نفسه فتصير النفس مطمئنة أيضًا فتستحق بجذبات العناية، وهي خطاب