فهرس الكتاب

الصفحة 846 من 1648

ثم أخبر عن بالإنعام على الإنسان بخلق الأنعام بقوله تعالى: {وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ} [النحل: 5] ولو شاء لهداكم أجمعين، قوله: {وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ} يشير أن المخلوقات كلها خلقت لصالحكم ومنافعكم؛ يدل عليه قوله: {خَلَقَ لَكُمْ مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا} [البقرة: 29] وقوله: {وَسَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} [الجاثية: 13] وخلقتم لي بيانه قوله: {وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي} [طه: 41] {فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ} أي: لتنتفعوا بها حين اطلاعكم على صفاتها الحيوانية الذميمة التي هي مودعة في جبلتكم مما يخالف صفاتكم الروحانية الملكية، فتجتهدوا في تبديل الصفات الحيوانية الذميمة بالصفات الملكية الروحانية الحميدة احترازًا عن الاحتباس في حيزها واجتنابًا عن شبهتها بقوله: {إِنْ هُمْ إِلاَّ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا} [الفرقان: 44] {وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ} لتكون بدل ما يتحلل منكم.

{وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ} [النحل: 6] بأن تعتبروا منها، ولا تجعلوا همتكم مصروفة في استيفاء حظوظكم الحيوانية الشهوانية فترتعوا في رياض مستلذات الدنيا كالأنعام والبهائم، ويشير بقوله: {وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُواْ بَالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ الأَنفُسِ} [النحل: 7] إلى أن الصفات الحيوانية إنما خلقت فيكم لتحمل أثقال أرواحكم إلى بلج عالم الجبروت الذي {لَّمْ تَكُونُواْ بَالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ الأَنفُسِ} لحمل أعباء الأمانة التي أبت السماوات والأرض والجبال عن حملها وأشفقن منها وشق الأنفس نقضها بإفنائها في عالم الجبروت {إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ} [النحل: 7] إذا أفنيتم أنفسكم في جبروته يبقيكم ببقاء عظمته.

{وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ} [النحل: 8] أي: صفاتها خلقت فيكم {لِتَرْكَبُوهَا} [النحل: 8] عند السير إلى عالم الجبروت فهي مركب الروح {وَزِينَةً} [النحل: 8] له عند روجوعه بالجذبة إلى مستقره الذي أهبط بالنفخة وهو المحل المضاف إليه الروح بقوله: {مِن رُّوحِي} [ص: 72] {وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} [النحل: 8] أي: ويخلق فيكم بعد رجوعكم بالجذبة إلى مستقركم {مَا لاَ تَعْلَمُونَ} قبل الرجوع إليه وهو قبول فيض نور الله بلا واسطة.

{وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ} [النحل: 9] بجذبة {ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ} [الفجر: 28] ليس لغيره قدرة على الإفناء عند والإبقاء به، {وَمِنْهَا جَآئِرٌ} يعني: نفوسكم تجير عن الفناء وبذل الوجود {وَلَوْ شَآءَ لَهَدَاكُمْ} بالجذبة إلى فناء وجودكم وبقاء وجوده {أَجْمَعِينَ} لأن جميعكم مستعدون لنيل هذه الدرجات والكمالات، وإنها لمشيئته وقعتم في الدَّركات ورضيتم بهذه النقصانات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت