ثم أخبر عن الكافر أنه إذا عجز عن العبودية كيف عارض الربوبية بقوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ} [البقرة: 258] ، الإشارة فيها أن الله تعالى لما أعطى نمرود ملكًا ما أعطى لأحد قبله، وذلك لأن الله تعالى أعطى الإنسان حتى استعداد لطلب كمال ما أعطى لأحد من العالمين كقوله تعالى: {لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ} [التين: 4] ، يعني: حسن استعداد في طلب الكمال فمن حسن استعداده في الطلب وغاية لطافته في الجواهر دائم الحركة في طلب الكمال فحيث ما توهم جهة الكمال يأخذ في السير فيها إلى أقصى مراتبها في العلوي أو السفلي لا يتوقف لحظة إلا لما هي، ولكن الإنسان جبل على الصفة الظلومية والجهولية كقوله تعالى: {إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا} [الأحزاب: 72] ، فإن وكل إلى نفسه في طلب الكمال فينظر بنظر الحواس الخمس إلى المحسوسات وهي الدنيا فلا يتصور الكمال إلا فيها، فيأخذ في السير لطلب الكمال فيها، وهذا السير موافق لبشرية الطبيعة لأنه خلق من تراب، والتراب سفلي الطبع فيميل إلى السفليات طبعًا والدنيا هي السفل فيسير فيها بقدر الطبع ويطلب الكمال، وفي البداية يرى الكمال في جميع المال فيجمعه، ثم الكمال في الجاه فيصرف المال في طلب الجاه، ثم يرى الكمال المناصب والحكم، ثم يرى في الأمارة والسلطنة فيسير فيها ما لم يكن مانع إلى أن يملك الدنيا بأسرها كما كان حل نمرود، ثم لا يسكن جوهر الإنسان في طلب الكمال كلما ازداد استغناؤه ازداد حرصه وكلما ازداد حرصه ازداد طلبه إلى أن لا يبقى شيء من السفليات أن ملكه بقصد العلويات، وإلى الآن كان ينازع ملك الملوك ومالك الملك، وكان سبب طغيانه استغناؤه كما قال تعالى: {إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى * أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى} [العلق: 6 - 7] ، فإذا كمل كمال الله أتاه الملك وكان سبب طغيانه حتى يكفر بالنعمة {إِنَّ الإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ} [العاديات: 6] {إِنَّ الإنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ} [إبراهيم: 34] ، فهذا كله عند فساد جوهره لما وكل إلى نفسه، فبحسن استعداده أينما تصور الكمال توجه إليه لتحصيله إلى أنه رأى الكمال في الربوبية قصدها وادعى الربوبية ولكن جوهر الإنسان إذا صلح بالتربية ولم يوكل إلى نفسه هدي إلى جهة الكمال المستعد له، كقوله: {أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ} [غافر: 38] فصاحب التربية وهو النبي أو بنيابته وخلافته الولي وهو الشيخ يربيه وتربيته في تربية كما سوى الله، وعداوته لتحقق تولية الله ومحبته، كما كان حال إبراهيم عليه السلام في طلب الحق بقوله: {أَنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ} [هود: 54] ، {فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلاَّ رَبَّ الْعَالَمِينَ} [الشعراء: 77] ، إلى أن يبلغ الإنسان حد كماله في طلب الكمال، وهو إفناء الوجود في وجود الموجود الموجد؛ ليكون مفقودًا عن وجوده موجودًا بوجوده، فكما كان يقول عند فساد الجواهر وإبطال حسن الاستعداد للكمال: {أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ} [البقرة: 258] وليس للعالم رب إلا أنا جهلًا بهذا الكمال، فيقول عند صلاح الجوهر وصرف حسن الاستعداد في طلب الكمال وحصوله:"ليس في الوجود سوى الله"، وهذا هو حقيقة