فهرس الكتاب

الصفحة 300 من 1648

ثم أخبر عن قوت كل نفس بالموت بقوله تعالى: {كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ} [آل عمران: 185] ، والإشارة في تحقيق الآيتين: إن كل نفس منفوسة {ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ} [آل عمران: 185] ؛ يعني: قابلة للفناء، ثم اعلم أن النفوس على ثلاثة أقسام:

قسم منها: يموت ولا حشر له للبقاء كسائر الحيوانات، وقسم: يموت في الدنيا ويحشرون في الدنيا والآخرة؛ وهي نفوس خواص الإنسان، كما قال صلى الله عليه وسلم:"المؤمن حيًّ في الدَّارين"، على أن لها موتًا معنويًا، كما أشار إليه صلى الله عليه وسلم بقوله:"موتوا قبل أن تموتوا"، وهو الفناء في الله بالله لله ولها حياة معنوي في الدنيا كما قال تعالى: {أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ} [الأنعام: 122] ؛ وهو البقاء بنور الله تعالى، ففي قوله عز وجل: {كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ} [آل عمران: 185] ، إشارة إلى: إن كل نفس مستعدة للفناء في الله ولا بد لها من موت، فمن كان موته بالأسباب تكون حياته بالأسباب، ومن كان فناؤه بالله يكون بقاؤه بالله، {وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} [آل عمران: 185] على قدر تقواكم وفجوركم، {فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ} [آل عمران: 185] ، القطيعة وأخرج من جحيم الطبيعة على قدمي الشريعة والطريقة، {وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ} [آل عمران: 185] ، الحقيقة {فَقَدْ فَازَ} [آل عمران: 185] ، {فَوْزًا عَظِيمًا} [النساء: 73] ، {وَما الْحَيَاةُ الدُّنْيَا} [آل عمران: 185] ونعيمها، {إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ} [آل عمران: 185] ؛ أي: متاع يغتر بها المغرور والممكور.

{لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ} [آل عمران: 186] بالجهاد الأصغر، هل تجاهدون بها وتنفقونها في سبيل الله أم لا؟ وبالجهاد الأكبر، أما الأموال فهل تؤثرون على أنفسكم ولو كان بكم خصاصة؟ وأما الأنفس فهل تجاهدون في الله حق جهاده أم لا؟ {وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ} [آل عمران: 186] ؛ يعني: أهل العلم الظاهر، {وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا} [آل عمران: 186] أهل الرياء من القراء والزهاد، {أَذًى كَثِيرًا} [آل عمران: 186] ، بالغيبة والملامة والإنكار والاعتراض، {وَإِن تَصْبِرُواْ} [آل عمران: 186] ، على جهاد النفس وبذل المال وأذية الخلق، {وَتَتَّقُواْ} [آل عمران: 186] بالله عما سواه، {فَإِنَّ ذلِكَ} [آل عمران: 186] الصبر والتقوى، {مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ} [آل عمران: 186] ، الذي هو من أمور أولي العزم، كما قال تعالى: {فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ} [الأحقاف: 35] .

ثم أخبر عن سياق أهل الميثاق بقوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ} [آل عمران: 187] ، إشارة في الآيات: إن الله تعالى أخذ ميثاق ذرات من رش عليهم من نوره يوم {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ} [الأعراف: 172] ، وأعطاه على قدر ذلك الرشاش علمًا بأركان الإسلام ومعاملات الدين، وهدى الإيمان وطريق السلوك إليه، {لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ} [آل عمران: 187] ؛ أي: للناسي منهم ذلك الميثاق، {وَلاَ تَكْتُمُونَهُ} [آل عمران: 187] ، عن طالبيه ومستحقيه وذلك؛ لأنه تعالى بنى أمر هذا الدين على النصيحة، كما قال صلى الله عليه وسلم:"إنما الدين النصيحة"، {فَنَبَذُوهُ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ} [آل عمران: 187] ، أكثر الخلق العمل بالميثاق، {وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ} [آل عمران: 187] ، من متاع الدنيا وزخارفها فإنه قليل، كما قال تعالى: {قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ} [النساء: 77] فانيًا بعذاب كثير باقٍ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت