{هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا} [البقرة: 29] أي: ما خلقكم لشيء وخلق كل شيء لكم؛ بل خلقكم لنفسه كما قال تعالى: {وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي} [طه: 41] معناه: لا تكن لشيء غيري فإني لست لشيء غيرك فبقدر ما تكون لي أكون لكن كما قال صلى الله عليه وسلم:"من كان لله كان الله له"وليس لشيء من الموجودات هذا الاستعداد أي: أن يكون هو لله على التحقيق وأن يكون الله له، وفي هذا سر عظيم وإفشاء سر الربوبية كفر، فلا تشتغل بم الك عمن أنت له فتبقى بلا هو بلا هو.
قوله تعالى: {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ} [البقرة: 29] ، أي: شرع في تسويتها {فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ} [البقرة: 29] ، مستويات على مصالح الأرض ومنافع الخلق فيه، إشارة إلى أن وجود السماوات والأرض تبعًا لوجود الإنسان؛ لأنه قال: {خَلَقَ لَكُمْ مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا} [البقرة: 29] ، أن الله تعالى خلق السماوات والأرض وما فيهن وسواهن على وفق مصالحك وانتفاعك من وسلوكك وتربيتك فيهن، كذلك {الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ * فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَآءَ رَكَّبَكَ} [الانفطار: 7 - 8] بنفخ روحه فيك.
كما قال تعالى: {فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي} [الحجر: 29] ، ثم سواك بالوحي والإلهام بقبول فيض تجلي صفاته تعالى فيك لك كما قال صلى الله عليه وسلم:"إن الله خلق آدم فتجلى فيه"قال تعالى: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ} [فصلت: 53] .
قوله تعالى: {وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [البقرة: 29] ، أي: عالم في خلق كل شيء كيف خلقه ولأي شيء خلقه، وكل ذرة من مخلوقاته وكل شيء من موجوداته يسبح ذاته وصفاته ويشهد بأحديته وصمديته ويقول: {رَبَّنَآ مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ} [آل عمران: 191] ، فلما ذكر أن السماوات والأرض خلقت للإنسان أخبر أن الإنسان لماذا خلق بقوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً} [البقرة: 30] ، والإشارة في تحقيق الآية: أن الله تعالى إنما قال {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً} [البقرة: 30] ، ولم يقل: إني خالق معنيين: أحدهما: إن الجاعلية أعم من الخالقية فإن الجاعلية هي الخالقية وشيء آخر وهو أن يخلقه موصوفًا بصفة الخلافة إذ ليس لكل مخلوق هذا الاختصاص كما قال تعالى: {يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ} [ص: 26] أي: خلقتك مستعدًا للخلافة فأعطيناكها، والثاني: إن للجعلية اختصاصًا بعالم الأمر وهو الملكوت وهو ضد عالم الخلق لأنه هو عالم الأجسام والمحسوسات، كما قال تعالى: {أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ} [الأعراف: 54] ، أي: الملك والملكوت؛ فإنه تعالى حين ذكر ما هو مخصوص بعالم الأمر جعله بالجعلية لامتياز الأمر عن الخلق كما قال تعالى: