فهرس الكتاب

الصفحة 97 من 1648

ولما جحدوا رسل الحق إلى قلوبهم من حيث الخواطر والإلهامات، فكذبوا رسولهم الذي آتاهم في الظاهر، فيا جهلًا ما فيه شظية من العرفان، ويا حرمانًا قارنه خذلان، حيث كذبوا رسله، ورفضوا بارة كتابه واتبعوا السحر.

كما أخبر عنهم بقوله: {وَلَمَّآ جَآءَهُمْ رَسُولٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ} [البقرة: 101] ، الآيات الثلاث والإشارة في تحقيقها أن الروح الإنساني في أصل الفطرة كان مناسبًا للأرواح الملكية في استماع خطاب الحق واستماع مكالمته قبل هبوط إلى العالم الجسماني، كما أخبر عنه بقوله: {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ} [الأعراف: 172] ، قالوا: {بَلَى} وأخذ منهم العهد على هذا، ثم نبذ ذلك العهد فريق منهم بعد هبوطهم إلى العالم الجسماني بتعلقات الحيواني وتتبعات النفساني، ولما جاءهم رسول من إلهامات الحق موافق لما معهم من كتاب العهد والميثاق عند استماع الخطاب {نَبَذَ فَرِيقٌ مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ} [البقرة: 101] ، والذي أُلهِموا والذي عاهدوا عليه {وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ} [البقرة: 101] ، بترك العمل به {كَأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} [البقرة: 101] ، في أصل الفطرة {وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُواْ الشَّيَاطِينُ} [البقرة: 102] ، النفوس {عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ} [البقرة: 102] ، الروح الذي هو خليفة الله في أرضه أي: ما حدثت به أنفسهم استهوتهم الشياطين وغرتهم به أنه من سليمان الروح {وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ} [البقرة: 102] ، الروح {وَلَكِنَّْ الشَّيَاطِينَ} [البقرة: 102] ، النفس والهوى {كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ} [البقرة: 102] ، من تخيلات الهواجس وتمويهات الوساوس التي تملي النفس ببيان وهو بمثابة السحر لقوله صلى الله عليه وسلم:"إن من البيان لسحرًا" {وَمَآ أُنْزِلَ} [البقرة: 102] ، فتنة وخذلانًا من العلوم {عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ} [البقرة: 102] ، أي: الروح والقلب فإنهما من العالم العلوي الروحاني أهبطا إلى أرض العالم الجسماني بالخلافة؛ لإقامة الحق وإزهاق الباطل فافتتنا بزهرة الدنيا واتباعا خداعها؛ فوقعا في شبكة الشهوات التي ركبت فيها ابتلاء وامتحانا، وشربا خمر الحرص والغفلة التي تخامر العقل وزينا ببغي الدنيا الدنيوية، وعبدا صنم الهوى وعلقا منكسين رءوسها بالالتفات إلى السفليات، وإعراضهما عن العلويات {فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ} [الصف: 5] ، وفي كبتها عن استقامتها وحرما عن سماع خطاب الحق، وكشف حقائق العلوم النافعة الموجبة للجمعية ابتليا بإنزال أباطيل العلوم الضارة المؤدية إلى التفرقة مثل شبهات زنادقة الفلاسفة من قدم العالم وسلب الاختيار عن الله ونفي العلم بالجزئيات عنه وأمثال هذه الكفريات التي زلت بهما أقدام خلق كثير عظيم في الجاهلية والإسلام، وكذلك شبهات أهل الأهواء والبدع التي يكفر بها بعضهم بعضًا ويقتلون عليها فإنها علوم يجب الاستعاذة منها لقوله صلى الله عليه وسلم:"اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع وقلب لا يخشع ونفس لا تشبع"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت