فهرس الكتاب

الصفحة 531 من 1648

ثم أخبر عن إعزاز آدم وإسكانه في الجنة بعد طرد إبليس ولعانه بقوله تعالى: {وَيَآ آدَمُ اسْكُنْأَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ} الأعراف: 19] إلى: {عَدُوٌ مُّبِينٌ} [الأعراف: 22] ، الإشارة فيها: أن الخطاب مع آدم عليه السلام بقوله تعالى: {وَيَآ آدَمُ اسْكُنْأَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ} إنما كان خطاب الابتلاء والامتحان، والنهي نهي التعزز والدلالة كأنه قال: يا آدم أتيحت لك الجنة وما فيها إلا هذه الشجرة، فإنها شجرة المحبة، والمحبة مطية المحنة، اسكن أنت وزوجك الجنة اسكن إليها وإنما خلقتها لتسكن إليها، {فَكُلاَ مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا} [الأعراف: 19] من أنهار الجنة وأشجارها ونعمتها بنعيمها وأزهارها {وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ} [الأعراف: 19] شجرة المحبة احترازًا عن المحنة.

{فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ} [الأعراف: 19] على أنفسكما؛ لأن للمحبة نارًا ونورًا، فمن لم يرد نارها لم يجد نورها، ومن يرد نورها تحترق بنارها منه أنانيته وما هو به هو فيبقى بهوية ربه، فهاهنا يجد نور المحبة ويتنور به كقوله تعالى: {يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} [المائدة: 54] فشجرة المحبة غرسها الرحمن بيده لأجل آدم كا خمر طينة آدم بيده لأجل هذه الشجرة، وإن منعه منها كان تحريضًا على تناولها، فإن الإنسان حريص على ما منع ولم تكن الشجرة طعمة لغير آدم وأولاده، فلمَّا ابتلى آدم بهذا الخطاب وامتحن جوهرة بترك هذه الطعمة المخصوصة والالتفات بغيرها؛ ليظهر أنه خلق لها وهي خلقت له سكنت نفس آدم إلى حواء إلى الجنة وما فيها إلا إلى الشجرة المنهي عنها؛ لأنها كانت مشتهى لقلب أعداؤه فما كان للنفس فيها حظ، ولم يسكن قلبه إلى شيء منها إلا إلى هذه الشجرة ولا يزال يزداد توقانه إليها فيقصدها ويمنعه النفس عنها وتمسك في منعه بحبل النهي.

وقوله تعالى: {وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ} [الأعراف: 19] ؛ حتى أعنى القلب، {فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْ آتِهِمَا} [الأعراف: 20] من الكمال والنقصان فيهما، {وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ} [الأعراف: 20] ؛ يعني: إذ لا يتناولان من شجرة المحبة يكونان من أهل العلو كالملكين في زوايا الجنة، {أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ} [الأعراف: 20] ؛ يعني: الذي هم خلقوا في الجنة كالحور ورضوان خزَّان الجنان وغيرهم، فأثر بعض هذا في قلب آدم وتنسم منه رائحة الأنس بمسام الروح؛ إذ كان قلبه وروحه متعطشين إلى دلال ذلك الجمال وكان ورد وقتهما ما قيل:

واللهَ ما طلعت شمس ولاغربت ... إلا وأنت مني قلبي ووسواسي

ولا جلست إلى قوم أحدثهم ... إلا وأنت حديثي بين جلاسي

ولا هممت بشرب الماء من عطش ... إلا رأيت خيالًا منك في الكأس

فتساكر القلب وغاب النفس في عزم على التناول فداخله خوف البشرية ولامته النفس اللوامة فكاد القلب أن يهن في الغرم وتذكر النهي فسقاه إبليس كأس القسم شراب ذكر الحبيب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت