وأيضًا: {مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ} من قِبل الاعتراض للمريدين، فأملي لهم ليعترضوا من [أنفسهم] ومرتبتهم، فأقطع طريق الإرادة والطلب، وأخرجهم من مواهب ولايتهم وفوائد محبتهم {وَمِنْ خَلْفِهِمْ} من قِبل التفريق فأخرجهم من صحبة المشايخ بتسويل الحجج و [الشبهات] والبيّنات وتحصيل العلوم لأظفر عليهم عند الفرقة ما لم أظفر عليهم في الصحبة، {وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ} من قبل الارتباط، فحرضهم على سوء الأدب في صحبة المشايخ وترك الحشمة والتعظيم والتوسع في الكلام والمزاح؛ لإنزالهم عن رتبة القبول {وَعَن شَمَآئِلِهِمْ} من قِبل المخالفة فأمرهم بترك أوامر المشايخ ونواهيهم لأوردهم به موارد الرد، وأهلكهم بسطوة غيرة الولاية وردها بعد القبول.
وأيضًا: {مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ} أثّور عليهم أهاليهم وأولادهم؛ ليمنعوا عن طلب الحق {وَمِنْ خَلْفِهِمْ} أثور عليهم آباءهم وأمهاتهم، {وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ} أثور عليهم أحبابهم وأصدقائهم {وَعَن شَمَآئِلِهِمْ} أثور عليهم أعداءهم وحسادهم؛ ليمنعوه عن الطلب باللطف والعنف، {وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ} [الأعرف: 17] ؛ لنعماتك التي أنعمت بها عليهم من السعادات الدنيوية والأخروية، فإنهم قبلوا مني تمويهات ووساوس في الإضلال لمَّا كانت موافقة لنفوسهم وملائمة لطباعهم، فكفروا بنعمك وخالفوا طاعتك فانسلخوا عنها.
فلما أدَّعى اللعين هذه الدعوى وأخذ في تحقيق المعنى، قال الله تعالى: {قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَّدْحُورًا} [الأعراف: 18] ؛ أي: غاية الذم ونهاية الطرد فإنك عزمت على غاية الذنب ونهاية السر.
ثم قال تعالى: {لَّمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ} [الأعراف: 18] ؛ يعني: من الذين تأتيهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم فيقبلوا منك ما أمرتهم، ويتبعوا من بني آدم من يتبعك في الإضلال والإغواء ومن قبلوا منهم كما قبلوا منك {لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكُمْ أَجْمَعِينَ} [الأعراف: 18] .