فهرس الكتاب

الصفحة 377 من 1648

ثم أخبر عن التقليدي لا الحقيقي بقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ} [النساء: 137] ، والإشارة فيها: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ} [النساء: 137] ؛ يعني: بالتقليدي، {ثُمَّ كَفَرُواْ} [النساء: 137] إذ لم يكن للتقليد أصلًا، {ثُمَّ آمَنُواْ} [النساء: 137] بالاستدلال العقلي، {ثُمَّ كَفَرُواْ} [النساء: 137] ، إذ لم يكن عقولهم مؤيدة بالتأييد الإلهي، {ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا} [النساء: 137] بالشبهات العقلية، إذ تمسكوا بالعقول المشوبة بالهوى وحب الدنيا فوقعوا في ورطة الهلاك مع المبتدعة والمتفلسفة، وإلا نعوذ بالله من الحور بعد الكور.

وفي قوله تعالى: {لَّمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ} [النساء: 137] ، يشير إلى: إن من يكون إيمانه تقليديًا ذلك بأن لم يكن الله في الأزل عاقرًا لهم بنوره عند العرش، كما قال: ثم رش عليهم من نوره فمن أصابه فقد اهتدى، ومن أخطأه فقد ضل، فلما أخطأهم ذلك النور فما آمنوا بالله بالحقيقة، وإن آمنوا بالتقليد كفروا، كما كانوا على أصل الضلالة، {وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا} [النساء: 137] ، إلى الهدى اليوم؛ لأن الأصل لا يخطأ إذ أخطأهم ذلك.

ثم قال تعالى: {بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} [النساء: 138] ؛ لأن أصل نفاقهم من أخطاء ذلك النور أيضًا؛ يعني: بشرهم بأن أصل جوهرهم من جواهر الكفار ولهذا {الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ} [النساء: 139] ، فإن ائتلافهم هاهنا نتيجة تعارف أرواحهم هناك؛ لقوله صلى الله عليه وسلم"الأرواح جنود مجندة"، فمن تعارف أرواحهم أرواح الكافر والمنافق هناك يأتلفون هاهنا، ومن تناكر أرواحهم أرواح المؤمنين هناك يختلفون.

ثم أشار بقوله تعالى: {أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ العِزَّةَ للَّهِ جَمِيعًا} [النساء: 139] إلى من يطلب العزة في الدارين، فليست العزة عند الدنيا وأهلها، فلا تطلبوها عندهم ولكن فاطلبوها عند الله؛ أي: في مقام العندية، فإن عنده خير الدنيا والآخرة جميعًا، فمن تابع النبي صلى الله عليه وسلم حق المتابعة وقال تعالى {عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ} [القمر: 55] ، يقال له: {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ} [المنافقون: 8] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت