فهرس الكتاب

الصفحة 297 من 1648

ثم أخبر عن إملائهم لابتلائهم بقوله تعالى: {وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ} [آل عمران: 178] ، الإشارة في الآيات: إن ازدياد إثم الكفر وتماديه في الكفر من نتائج قهر الله وخذلانه في صورة امتنانه في العصيان والكفران، إنما علا لهم {لِيَزْدَادُوا إِثْمًَا وَلَهْمُ عَذَابٌ مُّهِينٌ} [آل عمران: 178] ، في الدنيا بالقتل والنهب والأسر والنبي وفي الآخرة بالسلاسل والأغلال {يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ} [القمر: 48] .

ثم ذكر من نتائج فضل الله وكرمه مع المؤمنين وقال تعالى: {مَّا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَآ أَنْتُمْ عَلَيْهِ} [آل عمران: 179] ، الخطاب مع أهل الخذلان؛ يعني: لا يذر المؤمنين على ما أنتم عليه من الخذلان والكفر، بل يجذبهم بجذبات العناية من حضيض الضلالة إلى ذروة الهداية {حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ} [آل عمران: 179] ، النخذول المقهور {مِنَ الطَّيِّبِ} [آل عمران: 179] ، المجذوب المشكور، {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ} [آل عمران: 179] ؛ لتميز المقبول من المردود، والسعيد من الشقي {وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِن رُّسُلِهِ مَن يَشَآءُ} [آل عمران: 179] ، فتطلعون بهم على الغيب أن المجتبي هو المقبول السعيد، {فَآمِنُواْ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ} [آل عمران: 179] ؛ لتكونوا من أهل الاجتباء، ثم قال تعالى: {وَإِن تُؤْمِنُواْ وَتَتَّقُواْ} [آل عمران: 179] ، بمجرد صورة الإيمان والإقرار لا تكونون من أهل الاجتباء، بل بحقيقة تقوى الظاهرة والباطن تنالون كرامة الاجتباء، كما قال الله: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} [الحجرات: 13] ، {فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ} [آل عمران: 179] ، على قدر عظيم التقوى، فإن السير إلى المقصد الأعلى والوصول إلى منازل الزلفى لا يكون إلا بقدمي الإيمان والنفي.

ثم أخبر عن البخيل وحاله إذا بخل بقوله تعالى: {وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَآ آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ} [آل عمران: 180] ، إشارة في الآية: إن البخل إكسير الشقاوة، كما أن السييء إكسير السعادة، فبإكسير البخل يصير الفضل قهرًا والسعادة شقاوة، كما قال تعالى: {هُوَ خَيْرًا لَّهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ} [آل عمران: 180] ، بإكسير البخل يجعلون حيرته ما أتاهم الله من فضله شرًا لهم، ولو أنهم طرحوا على ما هو من فضله من المال إكسير السخاء لجعلوه خيرًا لهم، فيصيروه سعادة ولصاروا بها أهل الجنة إذ لا يلج الجنة الشحيح.

ثم عبَّر عن آفة حب الدنيا والمال بالطواف {سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} [آل عمران: 180] ، وإنما شبهها بالطوق؛ لأنها تحيط بالقالب، ومنها ينشأ معظم الصفات الذميمة مثل: البخل والحرص، والحسد والحقد، والعداوة والكبر، والتعصب وغير ذلك، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم:"حب الدنيا رأس كل خطيئة"، فبالمنع يصير الروح الشريف العلوي النوراني محفوظًا بهذه الصفات الخسيسة السفلية الظلمانية مطوقًا بآفاتها وحجبها وعذابها يوم القيامة، وبعد المفارقة فإن مات قد قامت قيامته {وَللَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [آل عمران: 180] ؛ يعني: إن الله تعالى خلق الإنسان وارث الدنيا والآخرة استعدادًا، أو قال لكامليهم {َأُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ} [المؤمنون: 10] ، الوارث إذا مات من غير وارث فميراثه لبيت المال، فالإشارة فيه: إن من غلبت عليه هذه الصفات ومات قلبه فقد بطل استعداده وارثيه السماوات والأرض، فإن السيد يرث من العبد ميراثه، {وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ} [آل عمران: 180] ، من الأعمال التي نميت القلوب {خَبِيرٌ} [آل عمران: 180] ، لا يخفى عليه شيء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت