فهرس الكتاب

الصفحة 763 من 1648

{فَلَمَّآ أَن جَآءَ الْبَشِيرُ} [يوسف: 96] من حضرة يوسف القلب إلى يعقوب الروح بقميص أنوار الجمال، {أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا} [يوسف: 96] يشير إلى أن يعقوب الروح كان بصيرًا في بدء الفطرة ثم عمي؛ لتعلقه بالدنيا وتصرفه فيها، ثم ارتد بصيرًا بوارد من القلب:

وَرَدَ الَبشيرُ بِما أَقَرَّ الأعُينا ... وَشَفى النُفوسَ وَهَزَّ غاياتِ المُنى

وفيه إشارة إلى أن القلب في بدء الأمر كان محتاجًا إلى الروح في الاستكمال، فلمَّا كمل وصلح لقبول فيضان الحق بين الإصبعين ونال مملكة الخلافة بمصر القربة في النهاية صارت الروح محتاجًا إليه لاستنارته بأنوار الحق؛ وذلك لأن القلب بمثابة المصابيح في قبور أنوار الإلهية، والروح بمثابة الزيت، فيحتاج المصباح في البداية بالزيت في قبول النار، ولكن الزيت محتاج إلى مصباح وتركيبه في النار ليقبل بواسطته النار، فإن الزيت بلا مصباح وآلاته ليس قابلًا للنار، فافهم جدًّا.

ثم قال: يعني يعقوب الروح لمَّا ارتد بصيرًا، {قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} [يوسف: 96] يا أوصاف البشرية؛ لأنه مخصوص من الله تعالى بنفخته وبالإضافة إلى نفسه تبارك وتعالى بقوله تعالى: {وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي} [الحجر: 29] ، {قَالُواْ يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَآ إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ} [97] فيما فعلنا معك ومع يوسف القلب بالظلومية والجهولية، {قَالَ} [يوسف: 98] يعقوب الروح؛ {سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي} بواقعة يوسف القلب حين حضوري مع الله، {إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ} لمن تاب ورجع إليه، {الرَّحِيمُ} [يوسف: 98] لمن يتوسل إليه بخواصه ومحبته وأوليائه ومقربيه، {فَلَمَّا دَخَلُواْ} [يوسف: 99] يعني: وصلوا الروح وزوجات النفس وأولاده وأوصافه ورفع أبويه على العرش، إذ قال: {آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ} [يوسف: 99] ليعلم أن القلب بمثابة العرش وهو على الحقيقة عرش الرحمن، وفي الآية تقديم وتأخير في المعنى تقديرها: {عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ} بوأنه رفع أبويه على العرش، {وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ} [يوسف: 99] أي: مصر حضرة الملك العزيز، {إِن شَآءَ اللَّهُ} [يوسف: 99] لأن لا يصل إلى حضرته أحد إلا بجذبة مشيئته، {آمِنِينَ} [يوسف: 99] على الانقطاع عن تلك الحضرة الملك العزيزي، فإنها منزهة عن الاتصال والانفصال والانقطاع عنها.

{وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّدًَا} [يوسف: 100] لما رأوه وعرفوا أنه عرش الحق تبارك وتعالى، فالسجدة كانت على الحقيقة لرب العرش لا للعرش، وقال يوسف القلب: {وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ} [يوسف: 100] أي: من قبل الوجود أن كنت نائمًا بنوم العدم، {قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا} [يوسف: 100] أي: جعلها في عالم الوجود الحقيقي، {وَقَدْ أَحْسَنَ بَي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ} [يوسف: 100] أي: من سجن الوجود؛ ولهذا قال: {أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ} ولم يقل في الجب البشرية، ونعمة إخراجه من سجن الوجود أو فر من نعمة إخراجه من جب البشرية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت