فهرس الكتاب

الصفحة 483 من 1648

ثم أخبر أن لا نافع ولا ضار إلا هو بقوله تعالى: {قُلْ أَنَدْعُواْ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَنفَعُنَا وَلاَ يَضُرُّنَا} [الأنعام: 71] ، إلى قوله: {تُحْشَرُونَ} [الأنعام: 72] ، الإشارة فيها أن الإنسان يعبد الله لجر منفعة أو لدفع مضرة، فقال: {قُلْ أَنَدْعُواْ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَنفَعُنَا وَلاَ يَضُرُّنَا} [الأنعام: 71] ؛ أي: نطلب غير الله الذي هو النافع الضار، وإنما النفع الحقيقي هو الفوز بالوصول إليه والضر الحقيقي هو الانقطاع عنه {وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا} [الأنعام: 71] ، إلى مقام الاثنينية التي كنا فيها {بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ} [الأنعام: 71] ، إلى الوحده {كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ} [الأنعام: 71] ، أضلته شياطين الأنس والجن {فِي الْأَرْضِ} [الأنعام: 71] أي: في أرض البشرية باتباع الهوى {حَيْرَانَ} [الأنعام: 71] بإغوائهم وإضلالهم، وهذا مثل الطالبين الصادقين والطالبين الخائضين، فإنهم يدعون الطالبين في بطالتهم وضلالتهم {لَهُ أَصْحَابٌ} [الأنعام: 71] ؛ أي: المطالب {يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا} [الأنعام: 71] ؛ أي: يهدونه إلى الله {قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ} [الأنعام: 71] ، أي: الهداية إلى الله {هُوَ الْهُدَى} [الأنعام: 71] ، الحقيقي لا الهداية إلى غيره وما سواه {وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} [الأنعام: 71] ؛ أي: أمرنا بالتسليم وهو ترك الوجود كالكثرة في ميدان القدر مستسلمًا لصولجان القضاء المجازي لأحكام رب العالمين {وَأَنْ أَقِيمُواْ الصَّلاةَ وَاتَّقُوهُ} [الأنعام: 72] ، أي: وأمرنا أن نحفظ أسرارنا عن غير الحق بإقامة الصلاة ونتقي به عن غيره لأنه {وَهُوَ ِالَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} [الأنعام: 72] ، أيها الطالبون لا إلى غيره من الجنة والنار كما قال:"ألا من طلبني وجدني".

ثم أخبر عن خصوصية هويته بقوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ} [الأنعام: 73] ، الآيتين والإشارة فيهما أن الله تعالى خلق المخلوقات؛ لظهور صفات جماله وجلاله، فقال: {وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ} أي: للحق يعني: لإظهار صفات الحق ويجعل المخلوقات مرآة مناسبًا تحاكي جميع صفاته تعالى وتقدس، ولكن لا تشاهد صفاته بالكمال إلا في مرآة النسيان لا المخلوقات بالكمال إلا الإنسان، وهو أكمل المخلوقات استعدادًا وأحسنهم تقويمًا في المراقبة وأنه يشاهد مرآة المخلوقات مما اختصت به من الصفات ما لا يشاهد غيره ويشاهد في مرآة نفسه من الصفات ما هو المخصوص به ولا يشاهد منه غيره كما قال تعالى: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ} [فصلت: 53] ؛ أي: مرآة أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق والآيات هي الصفات ولما كانت المشاهدة بإراءة الحق لقوله تعالى: {سَنُرِيهِمْ} والإرادة إنما تحصل بتكوينه إياها فقال تعالى: {وَيَوْمَ يَقُولُ كُن فَيَكُونُ} [الأنعام: 73] ؛ يعني: وإذا أراد أن يرى عبدًا من عباده تلك الصفات يقول كن وإنا فيكون بهذا التيسير إلى أن ليس في استعداد الإنسان أن يصير رائيًا بمجرد سعيه لصفات الحق في مرآة المخلوقات إلا أن يخلق الله تعالى فيه استعدادًا مناسبًا للرؤية عند رؤيته تلك الصفات، ثم قال تعالى: {قَوْلُهُ الْحَقُّ} [الأنعام: 73] ؛ يعني: في حق الإنسان أن يقول له كن رائيًا {وَلَهُ الْمُلْكُ} [الأنعام: 73] ، تلك الإرادة وتلك الرؤية يؤتى ملكه من يشاء كما أني الإنسان ملك الرؤية {يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ} [الأنعام: 73] ، وهي نفخة الإرادة في صور القلب، وذلك تجلى الحق تعالى لمرآة قلب الإنسان ليصعق موسى النفس ويتدكدك جبل أنانيته فيشاهد السر ويبصر الخفي وباصره نور الحق في مرآة القلب شهود {عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَا دَةِ} [الأنعام: 73] ، وذلك لأنه كان عالم الغيب قبل التجلي فلما تجلى له الحق تعالى صار عالمًا كان غائبًا عنه، وهو عالم الغيب والشهادة {وَهُوَ الْحَكِيمُ} [الأنعام: 73] ، فيما اختص الإنسان بإرادة الآيات {الْخَبِيرُ} [الأنعام: 73] ، يخصه من بين الناس بالتجلي له نفهم ونغنم إن شاء الله تعالى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت