فهرس الكتاب

الصفحة 191 من 1648

ثم أخبر عن إحراز الفضل أنه في الإنفاق والبذل في قوله تعالى: {يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ} [البقرة: 254] ، والإشارة فيها أن مع تنزه تحقيقها عن تقديره بالعبادات وتقديره بالإرشادات أنه سبحانه عظم شأنه وعز سلطانه أخبر عن كمال ذاته بذاته وعن جلال صفاته بصفاته وعن جمال مكنونة بمكنوناته فقوله تعالى: {اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ} يخبر عن ذات منفرد بالألوهية والديمومية، متوحدة بالوحدانية والربوبية بمن عرف بقضايا هذا طلاسم حق العرفان عرف أنه ينعت الكمال موصوفًا بجميع صفات الجلال والجمال فلا يحتاج إلى تعريفه بتعداد أوصاف كماله ونشرها فإنها تقدست وتعظمت عن إحاطة نطاق النطق بحصرها؛ ولكن لما دعت الضرورة لقصور العقول عن درك شأوها إلى تعدد، شرع في شرحها وعدها فبدأ بنفي إله يصلح للضدية في الألوهية والندية في الربوبية بقوله تعالى: {لاَ إِلَهَ} [البقرة: 255] ، ثم أثبت بالاستثناء عن الجنس هوية ذاته بصوف الوجود والإيجاد معبودية العباد لا ضدية ولا ندية بقوله تعالى: {إِلاَّ هُوَ} [البقرة: 255] .

ثم بين صفة هي لازمة اللاهوتية بقوله تعالى: {الْحَيُّ} [البقرة: 255] ، لا حي إلا هو ولا حياة إلا حياته فلا يحيى حي إلا بإحيائه وحياته، ثم ذكر صفة أخرى ذاتية له مقرونة بقوله تعالى: {الْقَيُّومُ} [البقرة: 255] ؛ يعني: هو القائم بذاته القيوم لمخلوقاته ليس لشيء من مكوناته قيام بنفسه إلا هو قائم بقيوميته، وقد مر من دعاء النبي: صلى الله عليه وسلم"يا قيوم السماوات والأرض"وإنما أشير في معنى الاسم الأعظم إلى الاسمين وهما الحي القيوم؛ لأنه اسمه الحي مشتمل على جميع أسمائه وصفاته فإن من لوازم الحي أن يكون قادرًا عالمًا سمعيًا بصيرًا متكلمًا مريدًا باقيًا، واسمه القيوم مشتمل على افتقار جميع المخلوقات إليه، فتجلى الله لعبده بهاتين الصفتين فالعبد يكاشف عند تجلي صفة الحي بجميع ما في أسمائه وصفاته ويشاهد عند تجلي صفة القيوم فناء جميع المخلوقات إذا كان قيامها بقيومية الحق لا بأنفسهم فلما بدا الحق زهق الباطل فلا يرى في الوجود إلا الحي القيوم.

وإذا كان بسبب الحي قيام جميع أسماء الله تعالى، وبسبب القيوم قيام المخلوقات فترتفع الاثنينية بينهما إذا أفنت التعدد وبقيت الوحدة فيصيران أسمى وأعظلم للمتجلى له فيذكره عند شهود عظمة الوحدانية بلسان عيان الفردانية لا بلسان بيان الإنسانية فقد ذكره باسم الأعظم الذي إذ دُعي أجاب، وإذا سئل به أعطى، فأما الذاكر عند غيبة فبكل اسم دعاه لا يكون الاسم الأعظم، بالنسبة إلى حال غيبته وعند شهود العظمة فبكل اسم دعاه يكون الاسم الأعظم كما سئل أبو زيد عن الاسم الأعظم فقال: الاسم الأعظم ليس له حد محدود؛ ولكن فرغ قلبك لوحدانيته فإذا كنت كذلك فاذكره بأي اسم شئت.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت