فهرس الكتاب

الصفحة 609 من 1648

ثم أخبر عن أهل الكفر أنهم شر الدواب بقوله تعالى: {إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُواْ} [الأنفال: 55] إلى قوله: {وَأَنْتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ} [الأنفال: 60] الإشارة فيه: {إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُواْ} يعني: بالذين كفَّروا النفوس المتمردة الأمارة بالسوء هم عند الله محكومون بالشقاوة في الأزل مكتوبون بشر الدواب كقوله: {إِنْ هُمْ إِلاَّ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ} [الفرقان: 44] ، {فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ} [الأنفال: 55] لما حكموا بالشقاوة الأبدي وإنما صاروا شر الدواب لأنهم {الَّذِينَ عَاهَدْتَّ مِنْهُمْ} [الأنفال: 56] يوم الميثاق والخطاب مع الروح؛ لأن النفس المودعة في الذرة التي أخذ الله تعالى من ظهر آدم عليه السلام أقرت بربوبية الحق تعالى وعاهدته بتبعية الروح؛ لأن نوره وصفته غلبت على ظلمة النفس وصفاتها، {ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ} [الأنفال: 56] بمعصية من المعاصي وذنب من الذنوب، {وَهُمْ لاَ يَتَّقُونَ} [الأنفال: 56] من خاتمة السوء فيما ينقضون العهد مع الله بالإشراك وعبادة الهوى.

{فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ} [الأنفال: 57] أي: لو ظفرت يا روح ببعض صفات النفس في جهادها، {فَشَرِّدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ} [الأنفال: 57] أي: بالغ في تبديل تلك الصفات التي هي خلقها، {لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ} [الأنفال: 57] يعتبرون ويتبدلون بالصفات الروحانية والأخلاق الربانية، {وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً} [الأنفال: 58] أي: تفرست من بعض تلك الصفات خيانة نقض العهد، والعود إلى طبعها الخسيس، والرجوع إلى أوصافها، {فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَآءٍ} [الأنفال: 58] يعني: أظهر عليهم عداوتك معهم، وجاهدهم على سوية رجوعهم حتى يفنوا إلى العهد، ويتركوا خيانة النقض، {إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الخَائِنِينَ} [الأنفال: 58] معه في العهود، {وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ سَبَقُوا} [الأنفال: 59] اي: النفوس التي كفرت ونقضت العهود ورجعت إلى أوصافها أنهم سبقونا وخرجوا من تصرفنا.

{إِنَّهُمْ لاَ يُعْجِزُونَ} [الأنفال: 59] أي: لا يعجزوني عن التصرف فيهم فلا يقنطوا من رحمتي في صلاح حالهم، {وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا اسْتَطَعْتُمْ مِّن قُوَّةٍ} [الأنفال: 60] أي: من قوة الروح وغلبات صفاتها وأعداءه بمداومة الذكر وقطع التعلق، {وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ} [الأنفال: 60] من رباط القلب بطريق المراقبة لئلا يلتفت إلى الدنيا وزينتها، {تُرْهِبُونَ بِهِ} [الأنفال: 60] يعني: بالذكر والمراقبة، {عَدْوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ} [الأنفال: 60] أي: الشيطان والنفس، {وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ} [الأنفال: 60] من نفوس شياطين الأنس، {لاَ تَعْلَمُونَهُمُ} [الأنفال: 60] أنهم عدوكم من الأحباب والأصدقاء والأقرباء، {اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ} [الأنفال: 60] أنهم عدو لكم كقوله تعالى: {إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلاَدِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ} [التغابن: 14] .

{وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ} [الأنفال: 60] أي: في شهوات النفس ولذاتها والدنيا وزينتها بطريق الذكر والمراقبة، {فِي سَبِيلِ اللَّهِ} [الأنفال: 60] في طلبه والسير إليه، {يُوَفَّ إِلَيْكُمْ} [الأنفال: 60] أي: يوف لكم فائده في مزيد القربة، كما قال تعالى:"من تقرب إلبي بشير تقربت إليه ذراعًا" {وَأَنْتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ} [الأنفال: 60] فيما تقربتم به إليه إلى الله تعالى، بل يضاعفه ويؤت من لدنه أجرًا عظيمًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت