فهرس الكتاب

الصفحة 467 من 1648

ثم أخبر عن جحود أهل الوجود بقوله تعالى: {قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ} [الأنعام: 33] ، الآيتين والإشارة فيهما أن من ضيق نطاق البشرية أثر في بشرية حبيب الله صلى الله عليه وسلم مقالة الجهال والضلال حتى بمقالتهم، وتأسف على ضلالتهم فواساه الله تسلية له وقال: قد نعلم أنه ليحزنك الذين يقولون بجهالتهم وينسبونك إلى الكذب عن ضلالتهم {فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ} [الأنعام: 33] ، على الحقيقة؛ لأنهم يعرفونك بالصدق {وَلَكِنَّْ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ} [الأنعام: 33] ، ولكن الكذب والتكذيب في الجحود والعناد من شأن الظالمين؛ لأن الظالم من يضع الشيء في غير موضعه فيضعون التكذيب والجحد في موضع التصديق والإقرار، فلا تحزن على مقالهم فإنا نعلم أن من أصابك لم يصبك إلا لأجلنا، وإن لك غير ضائعٍ هذا عندنا وحالك فينا كما قيل شعر:

أشاعوا لنا في الحيِّ أشنع قصةٍ ... وكانوا لنا سِلَما فصاروا لنا حَربا

وإنك لست منفردًا في مقامات المحنة من بين أهل المحبة {وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُواْ عَلَى مَا كُذِّبُواْ وَأُوذُواْ} [الأنعام: 34] ، فإن الصبر على المكاره من شأن المرسلين {حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا} [الأنعام: 34] ، ظاهرًا وباطنًا فإنا الظاهر فعمر رسلنا بهلاك القوم أو بإجابة الدعوة، وإن في الباطن فتنصرهم بالتخلق بأخلاقنا فأما الصبر خلق من أخلاقنا وينافهم بالصبر مرتبة أولوا العزم كما قال تعالى: {فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ} [الأحقاف: 35] ، {وَلاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ} [الأنعام: 34] ، وهي القدرات التي قدرها ودبرها في الأزل إلى الأبد بكلمة {كُنْ} [البقرة: 117] ، فقدر للمقبولين الرسالة والنبوة والولاية والمحبة والصبر عليها ونعمة الطاعة والعبودية والشكر لها {وَلَقدْ جَآءَكَ مِن نَّبَإِ الْمُرْسَلِينَ} [الأنعام: 34] ؛ أي فيما صبروا على المحق والشكر والنعم وقدر للمردود بين الغفلة والجهالة والضلالة وكفران النعمة والجزع فيما أصابهم من المكاره.

ثم أخبر عن إعراض أهل الاعتراض بقوله تعالى: {وَإِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِن اسْتَطَعْتَ أَن تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ} [الأنعام: 35] ، تربية وتأديب للنبي صلى الله عليه وسلم من الله تعالى كما قال صلى الله عليه وسلم:"أدبني ربي فأحسن تأديبي"؛ لئلا يبالغ في الشفقة على غير أهلها؛ لأنه صلى الله عليه وسلم كما خوطب بقوله تعالى: {وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنْفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ} [آل عمران: 159] ، بالغ في اللين والشفقة وحرص على إيمان القوم وكبر عليه إعراضهم حتى قيل وأغلظ عليهم وقيل {فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا} [الكهف: 6] ، وقيل:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت