{وَمَآ أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ} [يوسف: 103] ، وقيل: {وَإِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ} ، ثم قال تعالى: {وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى} [الأنعام: 35] ؛ يعني: في عالم الأرواح عند رشاش النور على الأرواح لجمعهم في قابليته النور مع القابلين الذين أصابهم النور، وقد اهتدوا به {فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ} [الأنعام: 35] ، الذين لا يعلمون الحكمة فيما جعلنا بعضهم قابلي نور الهداية والإيمان، وبعضهم غير قابلين إظهارًا للطف والقهر، وفي هذا إثبات أن النبي صلى الله عليه وسلم كان عالمًا بهذه الحكمة، وفيه إشارة أخرى إلى أن هذا الخطاب أزلي خاطب النبي صلى الله عليه وسلم في الأزل {فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ} في الدنيا فما كان منهم، ولو لم يخاطبه به لكان من الجاهلين، فإن كل أمر خاطب له النبي صلى الله عليه وسلم هو أمر التكوين، وكذلك النهي هو نهي الامتناع عن الكينونة.
ثم وصف له المستعدين بقول الهداية فقال تعالى: {إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ} [الأنعام: 36] ؛ يعني: الذين يسمعون بالله، وهم الذين أحياهم الله تعالى بنور منَّه كقوله تعالى وتبارك: {أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ} [الأنعام: 122] ؛ يعني: يسمع بذلك النور ويبصر به كما قال تعالى:"فبي يسمع وبي يبصر" {وَالْمَوْتَى} [الأنعام: 36] ، أراد بالموتى من كان ميتًا ولم يحيه الله فلا يسمع قوله: {يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ} [الأنعام: 36] ؛ يعني: الله قادر على أن يبعثهم ويحييهم ويسمعوا لا أنت يا محمد كقوله تعالى: {إِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ الْمَوْتَى} [النمل: 80] ، وقال تعالى: {وَمَآ أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِي الْقُبُورِ} [فاطر: 22] ، {ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ} [الأنعام: 36] ؛ يعني: من يبعثهم يحييهم الله من قبور نفوسهم {يُرْجَعُونَ} إليه بجذبات العناية ونور الهداية {وَقَالُواْ} [الأنعام: 37] ، أهل الأهواء لأهل الولاء {لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ} [الأنعام: 37] ، طالما يطالبونهم بإراءة الآيات، وهو من مكائد النفس وغلبة الهوى والتعلل بالأشياء الفاسدة وكم من آية قد رأوها وقد أعرضوا عنها {قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَن يُنَزِّلٍ آيَةً} [الأنعام: 37] ، في كل ساعة ولحظة {وَلَكِنَّْ أَكْثَرَهُمْ} [الأنعام: 37] ، بدون الآية {لاَ يَعْلَمُونَ} [الأنعام: 37] ، إنها من آيات الله لأن آيات الله لا ترى إلا بنور الله تعالى، فمن لم يكن له نور الله لينظر به فلم ير الآيات إلا السحر والكذب.