{ح * تَنزِيلٌ مِّنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} [فصلت: 1 - 2] يشير: بالحاء إلى الحكمة، وبالميم إلى المنة؛ أي: منَّ على عباده بتنزيل حكمة من الرحمن الأزلي، الذي سبقت رحمته غضبه، فخلق الموجودات برحمانيته الرحيم الأبدي، الذي وسعت رحمته كل شيء إلى الأبد {كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ} [فصلت: 3] بين الحق والباطل، والسعيد والشقي، وبقوله: {قُرْآنًا عَرَبِيًّا} [فصلت: 3] يشير إلى أن القرآن قديم من حيث أنه كلام الله وصفته، والعربية كسوة مخلوقة، كساه الله {لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} [فصلت: 3] العربية، والعربية بحروفها مخلوقة والقرآن منزه عنها، {بَشِيرًا} [فصلت: 4] لمن يعرف قدره ويؤدي حقه بالوصول والوصال {وَنَذِيرًا} [فصلت: 4] لمن لم يعرف قدره، ولا يؤدي حقه بالانقطاع والانفصال، {فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ} [فصلت: 4] عن أداء حقه {فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ} [فصلت: 4] بسمع القبول والانقياد.
{وَقَالُواْ قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ} [فصلت: 5] في التوحيد {وَفِي آذانِنَا وَقْرٌ} [فصلت: 5] ما يفهم كلامك قالوه حقًا، وإن قالوا على الاستهانة والاستهزاء؛ لأن قلوبهم في أكنة حب الدنيا وزينتها، مقفولة بقفل الشهوات والأوصاف البشرية، ولو قالوا ذلك عن بصيرة لكان ذلك منهم توحيد، فتعرضوا للمقت لما فقدوا من صدق القلب؟! قالوا: {وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ} [فصلت: 5] من الأنانية {فَاعْمَلْ} [فصلت: 5] بالله فانيًا عن وجودك موحدًا {إِنَّنَا عَامِلُونَ} [فصلت: 5] ببقاء وجودنا مشركين، وبقوله: {قُلْ إِنَّمَآ أَنَاْ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَآ إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ} [فصلت: 6] يشير إلى أن البشر كلهم متساو، وفي البشرية مسدود بهم باب معرفة الله بالوحدانية بالآلات البشرية من العقل وغيره، وإنما فتح هذا الباب على قلوب الأنبياء بالوحي، وقلوب الأولياء بالشواهد والكشوف، وعلى قلوب المؤمنين بالإلهام والشرح، كما قال تعالى: {أَفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِّن رَّبِّهِ} [الزمر: 22] ، وبقوله: {فَفَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ} [فصلت: 6] يشير إلى أن استقامة المرء في دينه موقوف على استقامته في المتابعة ظاهرًا وباطنًا، {وَاسْتَغْفِرُوهُ} [فصلت: 6] ؛ ليرفع بقوة النبوة الحجب التي بينكم وبينه {وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ} [فصلت: 6] الذين بقوا في شرك الوجود {الَّذِينَ لاَ يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ} [فصلت: 7] ؛ أي: لا يزكون نفوسهم عن خبث الحديث {وَهُمْ بِالْآخِرَةِ} [فصلت: 7] وهى وجودهم الباقي {هُمْ كَافِرُونَ} [فصلت: 7] بكفر السر والحجاب.
ثم أخبر عن عرفان الإيمان بقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ} [فصلت: 8] يشير إلى أن من آمن ولم يعمل صالحًا لم يؤجر إلا ممنونًا؛ أي: ناقصًا، وهو أجر الإيمان، ونقصان من ترك العمل، ثم بترك العمل الصالح يدخل النار ويخرج منها بأجر الإيمان، فأجر العمل الصالح الذي يصدر من النفس الجنة، وهو الأعمال البدنية: كالصلاة والصوم والحج وما أشبهها، وأجر الأعمال القلبية: كالرضاء واليقين والتوكل وما أشبهن من الأخلاق الحسنة، الشوق والمحبة وصدق الطلب، وأجر الأعمال الروحانية: كالتوجه إلى الله بالكلية، وترك التلذذ بكشف الأسرار، وشهود المعاني والكرامات، والاستئناس بالله، والاستيحاش من الخلق، والقلق في المحية، وأجر أعمال الأسرار: كالإعراض عما سوى الله، وترك الركون إلى مقامات القرب، والفطام عن الالتذاذ بالمعارف، ودوام التجلي، وكشوف الحقائق بالدقائق.