وفي قوله: {وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ} [النحل: 43] إشارة إلى أن الرسالة والنبوة والولاية لا تسكن إلا في قلوب الرجال الذين {لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ} [النور: 37] وهم أهل الذكر الذي قال الله فيهم: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنْتُم لاَ تَعْلَمُونَ} [النحل: 43] فإنهم الرجال في طلب الحق وترك ما سواه وإنهم يعرفون الرجال ليتبينوا {بِالْبَيِّنَاتِ} [النحل: 44] التي من خصائص نور الذكر {وَالزُّبُرِ} [النحل: 44] يعني: فيما قرءوا في الكتب، ثم جعل الله نبيه وحبيبه أهل الذكر وشرفه بقوله: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ} [النحل: 44] يعني: كان يصعد الذكر إلينا بمقتضى قولنا: {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ} [البقرة: 152] أنزلنا إليك ذكرنا {لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} [النحل: 44] بنور ذكرنا {لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} [النحل: 44] ما نزل إليهم بنور ذكرنا {وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [النحل: 44] فيما يستمعون من بيان القرآن والأحكام منك على أنك أمي ما قرأت الكتب المنزلة، ولا تعلمت العلوم. وإنما يتبين لهم من نور الذكر ما يجعلهم يلازمون الذكر ويواطبون عليه ليصلوا إلى مقام المذكورين في متابعتك ورعاية سنتك.
ثم أخبر عن المنكرين الماكرين الممكورين تهديدًا لهم بقوله: {أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُواْ السَّيِّئَاتِ} [النحل: 45] أي: آمنوا بمكر الله أن ينكر بهم بشؤم سيئات مكرهن أن يخسف الله بهم الأرض؛ أي: أرض البشرية ودركات السفل {أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ} [النحل: 45] بالمكر والاستدراج {مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ} [النحل: 45] أنه من أين آتاهم من قبل الأعمال الآخرة بالرياء أو من أعمال الآخرة إلى الدنيا بالهوى الدنيوية أو من قبل الأعمال الأخروية {أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ} [النحل: 46] من أعمال الدنيا {فَمَا هُم بِمُعْجِزِينَ} [النحل: 46] أي: بمعجز الله على تعذيبهم {أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ} [النحل: 47] أي: ينقص من مقاماتهم ودرجاتهم بلا شعورهم عليه {فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ} [النحل: 47] بالعباد إذا أعطاهم حسن الاستعداد رحيم عليهم عند فساد استعداداتهم بالمعاصي بألاَّ يأخذهم في الحال ويتوب عليهم في المآل، وتقبل توبتهم بالفضل والنوال.
ثم أخبر عن الإجلال لسجود الظلال {أَوَلَمْ يَرَوْاْ إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ} [النحل: 48] يشير إلى أن المخلوقات على نوعين: منها ما خلق من شيء كعالم الخلق وهو عالم الأجسام، ومنها ما خلق من غير شيء كعالم الأمر وهو عالم الأرواح، كما قال تعالى: {أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ} [الأعراف: 54] دائمًا سمي عالم الأرواح بالأمر؛ لأنه خلقه بأمر كن من غير شيء بلا زمان، كما قال الله تعالى: {خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا} [مريم: 9] يعني: خلقت روحك من قبل خلق جسدك {وَلَمْ تَكُ شَيْئًا} [مريم: 9] .