ومنه قوله صلى الله عليه وسلم:"إن الله خلق الأرواح قبل الأجساد بألفي ألف عام" {يَتَفَيَّؤُاْ ظِلاَلُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالْشَّمَآئِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ} [النحل: 48] يتفيأ الظلال إلى ما أودع الله في كل شيء من عالم الأجسام خاصية، وهي ظل ذلك الشيء يميل بها عن يمين السعادة أهل الشقاوة، وهم أصحاب اليمين أو عن شمال الشقاوة أهل الشقاوة وهم أصحاب الشمال، وهذه الخواص في الأشياء، ويسجدون لله انقيادًا لما خصهم به مسخرين متذللين، وإنما وحد اليمين وجمع الشمال؛ لغلبة أصحاب الشمال على أصحاب اليمين، ثم خرج به.
وقال: {وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِن دَآبَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ} [النحل: 49] بل يتذللون لكل شيء من بين يدي صانعه ساجد سجود يلائم حاله كما أن كل شيء يسبح بحمده تسبيحًا يلائم حاله، فتسبيح بعضهم بلسان المقال، وتسبيح بعضهم بلسان الحال، والله يعلم لسان حالهم كما لسان مقالهم.
واعلم أن الله تعالى أعطى لكل شيء من أصناف المخلوقات من الحيوانات إلى الجمال سمعًا وبصرًا ولسانًا وفهمًا به يسمع كلام الحق ويبصر شواهد الحق ويكلم الحق ويفهم إشارته، كما أخبر الله تعالى عن حال السماوات والأرض وهما في العدم أعطاهما سمعًا به سمعًا قوله: {ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا} [فصلت: 11] وأعطاهما فهمًا به فهما كلامه وأعطاهما لسانًا به قالتا: {أَتَيْنَا طَآئِعِينَ} [فصلت: 11] فكل شيء يسبح الله بذلك اللسان ويسجد له بذلك الطوع، فمن هذا اللسان الملكوت بمعجزة النبي صلى الله عليه وسلم كانت الحصى تسبح له في يده، وكذلك الأحجار الثلاثة كلمت داود عليه السلام، وأوبت الجبال معه لما قال تعالى: {وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ} [الإسراء: 44] .