ثم أخبر عن سوق أهل التُقى إلى جنة المأوى بقوله تعالى: {وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْاْ رَبَّهُمْ} [الزمر: 73] ، يشير إلى أنهم سيقوا بداعية الإيمان على أقدام الأعمال الصالحة {إِلَى الّجَنَّةِ زُمَرًا} [الزمر: 73] فرقة فرقة، كل فرقة على قدم خلق آخر، ولكنه سوق بغير تعب ولا نصب، بل سوق بروح وطرب، هؤلاء عوام أهل الجنة، وفوق هؤلاء قوله: {وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ} [ق: 31] ، وفوقهم من قال فيهم: {يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا} [مريم: 85] ، وفرق بين من يساق إلى الجنة وبين من تقربت منه الجنة، وفي الحقيقة أهل السوق الظالمون، وأهل الزلفة المقتصدون، وأهل الوفد السابقون، {حَتَّى إِذَا جَآءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا} [الزمر: 73] ؛ أي: وجدوا أبوابها مفتوحة؛ لئلا يصيبهم وصب الانتظام، {وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ} [الزمر: 73] هذا لعوام أهل الجنة، ولخواصهم قوله: {سَلاَمٌ قَوْلًا مِّن رَّبٍّ رَّحِيمٍ} [يس: 58] ، {وَقَالُواْ الْحَمْدُ للَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ} [الزمر: 74] ، للعوام بقوله: {وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَآءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ} [الزمر: 74] ، وللخواص صدقهم وعده بقوله: {لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ} [يونس: 26] ، ولأخص الخواص أصدقهم وعده بقوله: {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ 5 فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ} [القمر: 55] فنعم أجر العاشقين.
وبقوله: {وَتَرَى الْمَلاَئِكَةَ حَآفِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ} [الزمر: 75] ، يشير إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم وخواص متابعيه من أمته إذا كانوا {فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ} [القمر: 55] في جوار رب العالمين وكمال قرب أو أدنى ترى يا محمد الملائكة حافين من حول العرش، ولا حول لهم ولا قوة على العبور، والوصول إلى العرش وهم {يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ} [الزمر: 75] ، راضون قائمون بذلك، {وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ} [الزمر: 75] ؛ يعني: بين الملائكة وبين الأنبياء والأولياء بما أعطي كل فريق منهم من المراتب والمنازل ما أعطي، {وَقِيلَ} [الزمر: 75] ؛ يعني: قال كل فريق منهم {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الزمر: 75] على ما أنعم علينا به.