فهرس الكتاب

الصفحة 365 من 1648

ثم أخبر عن نجوى أصحاب الهوى بقوله تعالى: {لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ} [النساء: 114] ، إشارة في الآيتين: إن لا خير في كثير من نجواهم؛ أي: الذين يتناجون من النفس والهوى والشيطان؛ لأنهم شرًا، ولا فيما يتناجون به؛ لأنهم يأمرون بالسوء والشر والفحشاء والمنكر، ثم استثنى فقال: {إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ} [النساء: 114] ، إلا فيمن أمر بهذه الخيرات فإنه فيه الخير وهو الله تعالى، فإنه يأمر بالخيرات بالوحي عمومًا، ويأمر بالخاطر الروحاني والإلهام الرباني خواص عباده، والخاطر يكون بواسطة الملك وبغير الواسطة، كما قال صلى الله عليه وسلم:"أَلا وَإِنَّ لِلْمَلَكِ لمَّةٌ، وَلِلْشَيْطَانِ لمَّةٌ، فَلَمَّةُ الْمَلَكِ إِيعَادٌ لِخْخَيْرِ، وَلمَّةُ الشَّيْطَانِ إِيعَادٌ بِالشَّرِّ، فَمَنْ وَجَدَ لمَّةَ الْمَلَكِ فَلْيَحْمَدِ اللهَ، وَمَنْ وَجَدَ لمَّةَ الشَّيْطَانِ فَلْيَتَعَوَّذْ مِنْ ذَلِكَ"، والإلهام ما يكون من الله تعالى بغير الواسطة؛ وهو على ضربين:

ضرب منه: ما لا شعور للعبد به إنه من الله تعالى، وضرب منه: ما يكون بإشارة صريحة يعلم العبد إنه وارد من الله تعالى بتعليم نور الإلهام، وتعريفه لا يحتاج إلى معرف آخر إنه مع الله تعالى، وهذا يكون بالولي وغير الولي، كما قال بعض المشايخ: حدثني قلبي عن ربي، وقال صلى الله عليه وسلم:"إن الحق ينطق على لسان عمر".

وقال:"كادت فراسة عمر أن تسبق الوحي"، ثم قال: {وَمَن يَفْعَلْ ذلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ} [النساء: 114] ، أي: من يفعل بما ألهمه الله تعالى طلبًا لمرضاته: {فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا} [النساء: 114] ذكر بقاء التعقيب قوله: {فَسَوْفَ} [النساء: 114] ؛ يعني: عقيب الفعل {نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا} [النساء: 114] ، وهو جذبة العناية التي تجذبه عنه وتوصله إلى العظيم.

ثم قال تعالى: {وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ} [النساء: 115] ؛ أي: يخالف الإلهام الرباني الذي هو رسول الحق تعالى إليه، {مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى} [النساء: 115] بتعريف إلهامه ونوره، {وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ} [النساء: 115] الموقنين بالإلهام، بأن يتبع الهوى وتسويل النفس وسبيل الشيطان، {نُوَلِّهِ} [النساء: 115] ؛ أي: نكله بالخذلان {مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ} [النساء: 115] ، بسلاسل معاملاته التي تؤتي بها إلى {جَهَنَّمَ} [النساء: 115] ، سفليات البهيمية والسبعية والشيطانية {وَسَآءَتْ مَصِيرًا} [النساء: 115] ؛ أي: ما صار إليه من عباده الهوى واتباع النفس والشيطان وإشراكهم بالله في المطاوعة.

ثم أخبر عن حال أهل الشرك بالضلال بقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ} [النساء: 116] .

والإشارة فيه: إن الله تعالى خلق الجنة وخلق لها أهلًا، وخلق النار وخلق لها أهلًا، فمن خلقه أهلًا للجنة فقد غفر له قبل أن يخلقه، ومن غفر له فإنه لا يشرك بالله، فالإشارة في قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ} [النساء: 116] ، إن لم يغفر فأشرك به، ولو كان مغفورًا لم يشرك به، {وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذلِكَ لِمَن يَشَآءُ} [النساء: 116] ؛ يعني: وقد غفر ما دون من أشرك به في الأزل فلم يشرك به الآن، ومما يدل على هذا التأويل قوله تعالى:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت