فهرس الكتاب

الصفحة 506 من 1648

ثم أخبر عن إقرارهم بالكفر بعد إنكارهم، بقوله تعالى: {يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ} [الأنعام: 130] ، إلى قوله: {وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ} [الأنعام: 132] ، الإشارة فيها: إن المخاطب في قوله تعالى: {يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ} الإنسانية التي هي مجبولة على الصفات الشيطانية والملكية والحيوانية، {أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي} [الأنعام: 130] ، يشير بالرسل: إلى الهامات الربانية، وبالآيات: إلى بيان الفجور والتقوى للنفس بالإلهام، كما قال تعالى: {فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا} [الشمس: 8] .

{وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَذَا} [الأنعام: 130] ، يعني: قد أتتكم من الله الإلهامات بما يصلح لكم، وبما يفسد استعدادكم الفطري، ويخوفكم من سوء العاقبة والحرمان عن لقاء الحق، والابتلاء بشقاوة الأبد، وأنتم ما اتعظتم بها وأبيتم قبولها، {قَالُواْ شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا} [الأنعام: 130] ؛ يعني: النفس بصفاتها، {وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا} [الأنعام: 130] ؛ أي: لذاتها وشهواتها وزينتها وزخارفها، {وَشَهِدُواْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كَافِرِينَ} [الأنعام: 130] ؛ يعني: أقروا عند الحرمان عن السعادة العظمى أنهم بذواتهم كانوا عند صدأ مرآة قلوبهم وسائري صفاتها عن قبول فيض النور وشواهد الحق.

{ذلِكَ أَن لَّمْ يَكُنْ رَّبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى} [الأنعام: 131] ؛ يعني: قرى أشخاص الإنسان، {بِظُلْمٍ} [الأنعام: 131] ، والظلم: هو صرف الاستعداد الفطري لقبول الفيض في استيفاء لذات الطبع وشهوات النفس، {وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ} [الأنعام: 131] ، عن إنذار رسل الإلهامات الربَّانية، وذلك أن الاستعداد الروحاني لا يفسد استيفاء حظوظ الحيواني في الطفولية، إلا بعد أن يصير العبد مستعدًا لقبول فيض العقل وفيض الإلهام عند البلوغ، فيخالف الإلهامات ويتبع الهوى، فيفسد بذلك حسن الاستعداد لقبول الفيض الإلهي، كقوله تعالى: {وَلاَ تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ} [ص: 26] ، وهذا كما أنه تعالى لا يعذب قومًا بلغهم الدعوة حتى يبعث فيهم رسولًا، فيخالفونه فيعذبهم بها.

وقد عبَّر لسان الشرع عن هذا المعنى، بأنه لا يجري عليه قلم تكاليف الشريعة إلا بعد البلوغ بالأوامر والنواهي؛ لأنه أواني ترقي الروح باستعمال المأمورات، ونقصانه باستعمال المنهيات، وهذا معنى قوله تعالى: {وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِّمَّا عَمِلُواْ} [الأنعام: 132] ؛ يعني: في استعمال المأمور والمنتهي في الترقي والنقصان، {وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ} [الأنعام: 132] ، عند ترك المأمور وإتيان المنتهى، وعند إثبات المأمور وترك المنهي عند ترقية الروح وتنقيصه، وهو معنى قوله: {عَمَّا يَعْمَلُونَ} [الأنعام: 132] .

ثم أخبر عن غناه وافتقارنا إلى رضاه بقوله تعالى: {وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ} [الأنعام: 133] ، إلى قوله: {إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ} [الأنعام: 135] ، الإشارة فيها: إن الله تعالى خلق نوع الإنسان إظهارًا لسعة رحمته وكمال قدرته لا للاحتياج إليه، فقال تعالى: {وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ} يعني: عن كل مخلوق عامة، وعن الإنسان الذي يشرك به خاصة، {ذُو الرَّحْمَةِ} يعني: مع غناه عن الخلق فرض رحمة قد اقتض إيجاد الخلق؛ ليربحوا عليه لا ليربح عليهم، {إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ} [الأنعام: 133] ، أي: له مشيئة واختيار فيما شاء وقدره على أن يستأصل نوع الإنسان، {وَيَسْتَخْلِفْ مِن بَعْدِكُمْ} [الأنعام: 133] ، أيها الإنسان، {مَّا يَشَآءُ} [الأنعام: 133] ، من نوح آخر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت