فهرس الكتاب

الصفحة 505 من 1648

[البقرة: 257] ، فافهم جيدًا.

ثم أخبر عن الجن والإنس وما بينهما من الوحشية والأنس بقوله تعالى: {وَيَوْمَ يِحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِّنَ الإِنْسِ} [الأنعام: 128] ، وقوله تعالى: {وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا} [الأنعام: 22] ، يشير إلى أنه تعالى حشر وجمع الجن وهي صفة الشيطانية والإنس، وهي النفس وصفاتها في موفق القالب البشري بحكمة بالغة وقدرة كاملة ويحيطها بقوله: يا معشر الجن وإلى الصفات الشيطانية قد استكثرتم من الإنس؛ أي: قبلتم على الصفات الإنسانية، وأضللتموهم عن طلب الحق وهو الصراط المستقيم إلى الله الذي خلق الإنسان للعبور عليه والوصول إلى الحق، ومن شأنه إقعاد الإنسان عن هذا الصراط، كما قال: {فَبِمَآ أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ} [الأعراف: 16] ، {وَقَالَ أَوْلِيَآؤُهُم مِّنَ الإِنْسِ} [الأنعام: 128] ؛ أي: النفس الإنسانية التي من حسنها ودناءة نفسها التي هي أمارة بالسوء وهي من أولياء الشياطين، {رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَآ أَجَلَنَا} [الأنعام: 128] ، واستمتاع النفس الإنسانية بالشيطان هو أن يستعين بصفات مكره وخديعته وكيده وحيلته وتكبره وتمرده على تحصيل شهواتها الدنيوية ومستلذاتها واستيفاء حظوظها منها وتكبرًا للحق تعالى موافقة هواها، وأمَّا استمتاع الشيطان بالإنس هو أن يستعين به على إضلال الحق وإغوائهم عند عجزه عن إغوائهم، كما استعان بحواء على آدم عليه السلام في أكل الشجرة، {أَجَلَنَا ِالَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا} [الأنعام: 128] ؛ يعني: مدة استمتاع بعضنا ببعض وكميته الذي قدرت لنا، أشاروا بهذا: إلى أن ما جرى منهم إنما كان مقتضى ارتضائه وقدره، فأجابهم الله تعالى: {قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَآ إِلاَّ مَا شَآءَ اللَّهُ} [الأنعام: 128] ؛ يعني: كما قدَّرنا لكم الاستمتاع قدَّرنا أن النار تكون مثواكم وأنتم فيها خالدون، إلاَّ من شاء الله أن يتوب ويرجع إلى الله؛ فلا تكون النار مثواه؛ فلا استثناء راجع إلى أهل التوبة في الدنيا لا إلى أهل الخلود في النار.

{إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ} [الأنعام: 128] ، فيما يجعل بعض أهل الاستمتاع أهل النار وبعضهم أهل الجنة، {عَلِيمٌ} [الأنعام: 128] ، إنهم لا يهمهم خلقوا للنار أم الجنة، {وَكَذلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا} [الأنعام: 129] ، يعني: حعلنا مرده الجن والإنس، بعضهم أولياء بعض، كذلك يجعل الضالّين بعضهم أولياء بعض؛ ليعين بعضهم ببعض على الظالم والفساد، كما يعين الشيطاني النفس على المعاصي، {بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} [الأنعام: 129] ؛ يعني: سبب أن الظالمين كانوا يفسدون استعدادهم الفطري الروحاني القابل للفيض الربّاني؛ يوضع المعاملات النفسانية الحيوانية موضعها، التي هي ممانعة عن قبول الفيض.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت