فهرس الكتاب

الصفحة 804 من 1648

وبقوله: {أَفَمَنْ هُوَ قَآئِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ} [الرعد: 33] يشير إلى أن ليس لنفس اختيار ولا قدرة على الكسب، بل هو القائم والمتولي بأمورها فيما ليس لها فيه كإيجادها من العدم وإعدامها من الوجود وفيما لها قيمة كسب كالحركات والسكون وغير ذلك فالمعنى أنه هو قائم بنفسه وقائم على أيجاد كل نفس وإعدامها وحركاتها وسكونها، كمن هو غير قائم بنفسه وغير قائم على أمور نفسه ولسوء نفس غيره {وَجَعَلُواْ} أمثال هؤلاء العجزة {لِلَّهِ شُرَكَآءَ} ؟

ثم قال: {قُلْ سَمُّوهُمْ} [الرعد: 33] بما ترون منهم من صفات الله يشير إلى أن الاسماء مأخذها من الصفات، فإن لم تروا منهم شيئًا من صفات الله فكيف يسمونهم بها {أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ} إله غيره بل {وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمآءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ} [الزخرف: 84] {أَم بِظَاهِرٍ مِّنَ الْقَوْلِ} [الرعد: 33] يقولون ما لا يعملون {بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ مَكْرُهُمْ} [الرعد: 33] وهو اتخاذهم لله شركاء خذلانًا من الله {وَصُدُّواْ عَنِ السَّبِيلِ} [الرعد: 33] من سبيل الوصول، {وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ} بالخذلان عن سبيله {فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} إلى سبيله بالوصول.

{لَّهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [الرعد: 34] وهو عذاب البعد والحجاب والغفلة والجهل وعذاب عبودية النفس والهوى والدنيا والشياطين والإنس {وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ} [الرعد: 34] وهو عذاب نار القطيعة وألم البعد وحسرة التفريط في طاة الله وندامة الإفراط في الذنوب والمعاصي على الخسارات والهبوط من الدرجات ونزول الدركات {وَمَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ} من خذلان الله في الدنيا وعذاب الله في الآخرة {مِن وَاقٍ} من الخذلان والعذاب.

{مَّثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ} [الرعد: 35] يشير إلى حقيقة أمر الجنة التي وعدها الله للمتقين، ووصفها بأنها {تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ} ، وهي أنهار الفضل والكرم، ومياه العناية والتوفيق {أُكُلُهَا دَآئِمٌ} [الرعد: 35] وهي مشاهدات الجمال، ومكاشفات الجلال، {وِظِلُّهَا} أنهم في ظل هذه المقامات والأحوال التي هي منه من وجوده لا في شمس وجودهم على الدوام بحيث لا يزول أبدًا، ثم أشار بقوله: {تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا} [الرعد: 35] إلى أن تلك الأحوال والمقامات عاقبة من اتقى بالله عما سواه {وَّعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ} أي: عاقبة من أعرض عن هذه المقامات والأحوال نار القطيعة والحسرة.

ثم قال: {وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ} [الرعد: 36] يشير به إلى الروح والقلب والسر فإنهم أهل نزول أسرار الكتاب وحقائقه عليهم {يَفْرَحُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ} [الرعد: 36] لإيتائهم أسرارها {وَمِنَ الأَحْزَابِ} وهم النفس والهوى والقوى {مَن يُنكِرُ بَعْضَهُ} لثقل تكاليفه وجهل فوائده {قُلْ} يا طالب الحق {إِنَّمَآ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ} أي: أسلك طريق العبودية إلى عالم الربوبية وَلا أُشْرِكَ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت