كما قال صلى الله عليه وسلم:"إن أحدكم إذا لعن الدنيا قالت الدنيا لعن الله أعصانا لله" {وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ} [العنكبوت: 25] يعني: مأوى النفس والدنيا {وَمَا لَكُمْ مِّن نَّاصِرِينَ} [العنكبوت: 25] في الخلاص من العذاب وبقوله: {فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ} [العنكبوت: 26] يشير إلى إيمان لوط القلب لأجله أي لعلاج إبراهيم الروح؛ لأنه لا يتخلص من أذى نمرود النفس وصفاتها إلا بعد إيمان القلب؛ لأن بنور الإيمان تندفع ظلمات النفس وصفاتها عن الروح فيستعد للمهاجرة إلى الله وذلك قوله: {وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي} [العنكبوت: 26] وهجرته إلى ربه بقطع تعلقاته عما سوى الله {إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [العنكبوت: 26] أي: إن الله هو أعز من أن يصل إليه أحد إلا بعد مفارقته عن غيره {الْحَكِيمُ} [العنكبوت: 26] الذي لا يقبل بمقتضى حكمته إلا طيبًا من لوث أنانيته كما قال صلى الله عليه وسلم:"إن الله طيب لا يقبل إلا الطيب".
وقوله: {وَوَهَبْنَا لَهُ} [العنكبوت: 27] يشير إلى أن الروح إذا هاجر بالسر والنفس متوجهًا إلى ربه يعب له {إِسْحَاقَ} الخفي، ومن تولده {وَيَعْقُوبَ} الإخلاص {وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ} [العنكبوت: 27] ذرية روح الخفي والنفس وبالقلب أي: نجعلهم مجال الوحي والإلهام، إشارات الحق تعالى ومعادن العلوم وينابيع الحكمة وخزائن الأسرار والحقائق {وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا} [العنكبوت: 27] من المواهب الربانية واللذائذ الروحانية والاحتفاظ بلطائف الحظوظ النفسانية محفوظًا عن آفاتها، وتبعها بقوله: {وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ} [العنكبوت: 27] لقبول الفيض الإلهي بلا واسطة.
[العنكبوت: 28 - 40] ثم أخبر عن تفرق قوم [لوط] من التمرد بقوله تعالى: {وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ} [العنكبوت: 28] إلى قوله: {وَلَكِنْ كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [العنكبوت: 40] وقومه إشارة في تحقيقها.