ثم أخبر عن حال السعداء والأشقياء بقوله تعالى: {ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآيَاتِنَا} [المؤمنون: 45] {إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ} [المؤمنون: 46] يشير إلى أن إرسال موسى الروح وأخيه هارون القلب {إِلَى فِرْعَوْنَ} النفس {وَمَلَئِهِ} صفاتها بما يستدل بها على وحدانيته وهو العقل والإيمان {فَاسْتَكْبَرُوا} أي: تمردوا على استعمال العقول في قبول الإيمان ولم يعتبروا بهما ولم يستدلوا {وَكَانُواْ قَوْمًا عَالِينَ} أي: طالبين العلو والغلبة والاستيلاء على الروح والقلب، فنظروا إليهما بنظر معلوم بالوهم والخيال وحقروهما.
{فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ} [المؤمنون: 47] أي نستسلم {لِبَشَرَيْنِ} مخلوقين {مِثْلِنَا} في الخلفية {وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ} أي: في أوان الولادة وحالة الطفولة كانت صفات الروح إلى حد البلوغ وليستعدوا حمل أعباء التكاليف الشرعية {فَكَذَّبُوهُمَا} ولم يقبلوا دعوتهما إلى الحق {فَكَانُواْ مِنَ الْمُهْلَكِينَ} بعبادة الهوى وطلب الدنيا وشهواتها.
{وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ} [المؤمنون: 49] أي: ألهمنا موسى الروح إلهامات ربانية {لَعَلَّهُمْ} النفس وصفاتها بها {يَهْتَدُونَ} إلى الحق تعالى وطلبه.
وبقوله تعالى: {وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً} [المؤمنون: 50] يشير إلى عيسى الروح الذي تولد من أمر كم بلا أب من عالم الأسباب، وهو أعظم آيات الله المخلوقة التي تدل على ذات الله معرفة؛ لأن خليفة الله وروح منه {وَآوَيْنَاهُمَآ إِلَى رَبْوَةٍ} القالب، فإنه مأوى الروح الآمر بالأوامر والنواهي {ذَاتِ قَرَارٍ} أي: هو منزلهما ودار قرارهما يعني ما دام القالب يكون مأوى الروح فالروح تكون مأوى الأمر ومقره بألا يسقط عنه التكاليف {وَمَعِينٍ} وأما المعين فهو عين الحال الجارية في القلب وعلى اللسان.