فهرس الكتاب

الصفحة 1099 من 1648

{قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا} [القصص: 35] به يشير إلى أن القلب وإن كان مترقيًا إلى الحضرة الربانية يحتاج إلى العقل المشدد عضده به ليكون كامل الاستعداد في قبول الفيض الإلهي، ويكونا مؤيدين بالتأييد الإلهي، ولهما سلطان على غيرهما، ولا يصل إليهما سلطان الأغيار وتكون الغلبة لهما ولمتابعيهما وذلك قوله {فَلاَ يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَآ أَنتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ} [القصص: 35] .

ثم أخبر عن إنكار الأسرار على الأخيار بقوله تعالى: {فَلَمَّا جَآءَهُم مُوسَى} [القصص: 36] والإشارة في تحقيق الآيات بقوله: {فَلَمَّا جَآءَهُم مُوسَى بِآيَاتِنَا بَيِّنَاتٍ} [القصص: 36] يشير إلى أن موسى القلب وإن بلغ مقامات القرب الرباني وصار كالمرآة المصقولة المتجاذبة للشمس قابلة لانعكاس أنوار الشمس، فتظهر آياتها البينات فإن فرعون النفس وملأ صفاته يرونها سحرًا مفتر كما {قَالُواْ مَا هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّفْتَرًى} [القصص: 36] لأن النفس خلقت من أسفل عالم الملكوت متنكسة، والقلب خلق من وسط الملكوت متوجهًا إلى الحضرة فما كذب الفؤاد ما رأى، وما صدقت النفس ما رأت، فيرى القلب إذا كان سليمًا أن من الأمراض والعلل الحق حقًا والباطل باطلًا والنفس يرى الحق باطلًا والباطل حقًا ولهذا كان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم:"اللهم أرنا الحق حقًّا وارزقنا اتباعه وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه".

وكان صلى الله عليه وسلم في ذلك سلامة القلب عن الأمراض والعلل وهلاك النفس وقمع هواها وكسر سلطانها وبقوله {وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا} [القصص: 36] الذي تدعونا إليه يعني من التوحيد {فِي آبَآئِنَا الأَوَّلِينَ} [القصص: 36] يشير إلى طبائع الكواكب السبعة فإنها آباء النفس وأساسها العناصر الأربعة، والطبائع مكنوسة إلى عالم السفل متوجهة إلى التفرقة متباعدة عن التوحيد فلا تسمع متولداتها عن التوحيد بل تسمعها عن شرك الشركاء بحسب نظرها في رؤية الوسائط وتقيدها بها.

{وَقَالَ مُوسَى} [القصص: 37] القلب بعد إنكار فرعون النفس وتكذيبها إياه {رَبِّي أَعْلَمُ بِمَن جَآءَ بِالْهُدَى مِنْ عِندِهِ} [القصص: 37] أنه صادق فيما جاء به متوكلًا على الله فيما يجري على فرعون النفس من الإنكار حكمة منه تلسيمًا لأحكامه طالبًا لرضا لحق تعالى لا هاربًا من سخط الخلق قال قائلهم:

فَلَيتَكَ تَحلو وَالحَياةُ مَريرَةٌ ... وَلَيتَكَ تَرضَى وَالأَنامُ غِضابُ

وضلَيتَ الَّذي بَيني وَبَيْنَكَ عامِرٌ ... وَبَيني وَبَينَ العالَمينَ خَرابُ

وبقوله: {وَمَن تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ} يُشير إلى أن الواجب على كل نفس السعي في نجاتها ولو هلك غيرها لا يضرها فإنها متحققة في {إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ} وقد قال تعالى: {فَلاَ تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ} [المائدة: 26] ، وبقوله: {وَقَالَ فِرْعَوْنُ يأَيُّهَا الْملأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي} [القصص: 38] ، يشير إلى أن استعداد فطرة الإنسان الذي في أحسن تقويم إذا فسد تصير معرفته نكرة وإقراره بالعبودية يستدل به بالألوهية، ويسعى بعد إثبات الإله في نفسه حتى يقول لوزيره وهو هامان الشيطان، كما قال تعالى:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت