فهرس الكتاب

الصفحة 1314 من 1648

ثم أخبر عن القلوب المستقيمة والأرواح الكريمة بقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا اللَّهُ} [فصلت: 30] يشير إلى يوم الميثاق لما خوطبوا بقوله: {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى} [الأعراف: 172] ؛ أي: ربنا الله، وهم الذرات المستخرجة من ظهر آدم عليه السلام أقروا بربوبيته {ثُمَّ اسْتَقَامُوا} [فصلت: 30] على إقرارهم بالربوبية، تائبين على أقدام العبودية لما خرجوا إلى عالم الصورة، ولهذا ذكر بفلظه {ثُمَّ} ؛ لأنه للتراخي فأقروا في عالم الأرواح، ثم استقاموا في عالم الأشباح، وهم المؤمنون بخلاف المنافقين والكافرين، فافهم أقروا ولم يستقميوا على ذلك:

فاستقامة العوام: في الظاهر بالأوامر والنواهي، وفي الباطن بالإيمان والتصديق.

واستقامة الخواص: في الظاهر بالتجريد عن الدنيا وترك زينتها أو شهواته، وفي الباطن بالتفريد عن نعيم الجنان شوقًا إلى لقاء الرحمن، وطلب العرفان.

واستقامة الأخص: في الظاهر برعاية حقوق المتابعة على وفق المبايعة بتسليم النفس والمال، وفي الباطن بالتوحيد في استهلاك الناسوتية؛ ليستقم بالله مع الله، فانيًا عن الأنانية باقيًا بالهوية بلا أرب من المحبوب، مكتفيًا من عطائه ببقائه، ومن مقتضى جوده بدوام فنائه في وجوده، {تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلاَئِكَةُ أَلاَّ تَخَافُواْ وَلاَ تَحْزَنُواْ} [فصلت: 30] الخوف إنما يكون في المستقبل من الوقت؛ وهو بحلول مكروه أو فوات محبوب، والملائكة يبشرونهم بأن كل مطلوب لهم سيكون وكل محذور لهم لا يكون، هذا تحقيق قوله تعالى: {أَلاَّ تَخَافُواْ} ، والحزن من حزونة الوقت، والذي هو راض بجميع ما يجري مستسلم للأحكام الأولية فلا حزونة في عيشه؛ بل من يكون قائمًا بالله، هائمًا في الله، دائمًا مع الله، لا يدركه الخوف والحزن، فالملائكة يبشرونهم ألا تخافوا من سوء الخاتمة، ولا تحزنوا على فوات العناية في السابقة، {وَأَبْشِرُواْ بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ} [فصلت: 30] ؛ أي: جنة الوصلة، فإن الوعد صار نقدًا فما بقي الوعد والوعيد، وما هو إلا عبد في العبد، فأوعد الله للعوام من جميل الثواب، وللخواص من حسن المآب نقد لأخص الخواص من أولي الألباب، ويقال: لا تخافوا من عزل الولاية، ولا تحزنوا عن منع الهداية، وابشروا بحسن العناية في البداية والنهاية، ولا تخافوا ذلة المذلة، ولا تحزنوا مما أسلفتم من الذلة، وابشروا بدوام الوصلة، وبقوله: {نَحْنُ أَوْلِيَآؤُكُمْ} [فصلت: 31] يشير إلى ولاية الرحمة للعوام، وولاية النصرة للخواص، وولاية المحبة لأخص الخواص، فبولاية الرحمة للعوام {فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [فصلت: 31] يوفقهم لإقامة الشريعة، {وَفِي الْآخِرَةِ} [فصلت: 31] يجازيهم بالجنة، وبولاية النصرة للخواص في الحياة الدنيا يسلطهم على أعدى عدوهم وهو أنفسهم الأمارة بالسوء؛ ليجعلوها مزكاة من أخلاقها الذميمة وأوصافها الدنية، وفي الآخرة جذبة {ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ} [الفجر: 28] وبولاية المحبة لأخص الخواص في الحياة الدنيا يفتح عليهم أبواب المشاهدات والمكاشفات، وفي الآخرة يجعلهم من أهل القربات والمعاينات، {وَلَكُمْ فِيهَا} [فصلت: 31] في الآخرة {مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ} [فصلت: 31] من نعيم الجنة بحسب علو همتكم فيها، {وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ} [فصلت: 31] بدواعي القلوب والأرواح، من الوصول والوصال بحسب صدق الطلب، وحسن السؤال من حضرة الجلال ذي الفضل والأفضال، والكرم والنوال، {نُزُلًا} [فصلت: 32] فضلًا وعطاءً، وتقدمه لما يستديم إلى الأبد من فنون الأعطاف وأصناف الألطاف {مِّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ} [فصلت: 32] يبدل السيئات باالحسنات، ويزيد لأهل الطاعات في الدرجات والقربات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت