فهرس الكتاب

الصفحة 488 من 1648

ثم أخبر عن محجة تلك الحجة بقوله تعالى: {وَتِلْكَ حُجَّتُنَآ آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ} [الأنعام: 83] ، إلى قوله: {مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} [الأنعام: 88] الإشارة فيهما أن محجة السلوك إلى الله تعالى إنما هي تتحقق بالآيات التي هي أفعاله، وهذه خرقات لهم وهي الأولى، ثم شهود صفاته بإراءته لهم وهي الرتبة الفانية، ثم التحقيق بوجوده وذاته عند التجلي لأسرارهم هذا مبدء الوصول ولا غاية له، فقوله تعالى: {وَتِلْكَ} أي: إرادة الملكوت وشواهد الربوبية في مرآة الكواكب وصدق التوجه إلى الحق والإعراض والتبرؤ عما سواه والخلاص من ترك الأنانية، والإيمان الحقيقي والإيقان بالعيان ابتدائها إبراهيم أي أعطيناه ورأيناه من غير واسطة حتى جعلها حجة على قومه {نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَآءُ} [الأنعام: 83] ، بجذبات الألوهية عن حجب الأنانية {إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ} [الأنعام: 83] ، فيما يرفع من يشاء بجذبات {عَلِيمٌ} [الأنعام: 83] ، بمن يجذبه من حضيض البشرية وممن رفعنا به درجات إبراهيم عليه السلام {وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلاًّ هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا} [الأنعام: 84] ، كما هدينا إبراهيم عليه السلام هدينا إسحاق ويعقوب وذريتهما واختصاصهما بالموهبة دون إسماعيل لمكان محمد صلى الله عليه وسلم لأن الله تعالى جعل وجود إسحاق ويعقوب وذريتهما وهدايتهم تبعًا لوجود إبراهيم عليه السلام وموهبته له، وأن محمدًا صلى الله عايه وسلم كان من ذرية إسماعيل والكائنات كان تبعًا لوجوده فما جعل الله تعالى إسماعيل عليه السلام تبعًا لوجود إبراهيم عليه السلام ولا هدايته تبعًا لهدايته لشرف محمد صلى الله عليه وسلم فأفرده عنهم بالذكر والهداية، وسلك مع كبار الأنبياء والمرسلين وميزتهم في سلك واحد بالذكر والهداية وسلك مع كبار الأنبياء والمرسلين والتفضيل على العالمين فمن كان قبل إبراهيم عليه السلام وبعده وجودًا وهداية، كما قال تعالى: {وَنُوحًا هَدَيْنَا مِن قَبْلُ وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ} [الأنعام: 84] ، هؤلاء كلهم من ذرية إبراهيم عليه السلام يعني كما جزينا إبراهيم عليه السلام لإحسانه معنا يرانا، ولم ير أحدًا معنا وهبنا لهذه الذرية وهديناهم وكذلك نجزي كل محسن معناه على حسب إحسانهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت