فهرس الكتاب

الصفحة 1379 من 1648

{وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ} [الفتح: 6] بذل الحجاب وسوء العقاب في الدارين، {الظَّآنِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ} [الفتح: 6] في ذاته وصفاته بالأهواء والبدع، وفي أفعاله وأحكامه بالظلم والبعث، {عَلَيْهِمْ دَآئِرَةُ السَّوْءِ} [الفتح: 6] ؛ أي: عاقبه بالمساءة فيما اعتقده {وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ} [الفتح: 6] ؛ وغضبه: إرادته العقوبة لهم في الآخرة، وكون الشرك والنفاق في الدنيا، {وَلَعَنَهُمْ} [الفتح: 6] ، بعدهم من فضله حق فيهم كلمته، وسبقت من الله بالشقاوة قسمة، كما قال: {وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَآءَتْ مَصِيرًا} [الفتح: 6] .

{وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [الفتح: 7] ، به يشير إلى ما أعد الله من عظائم فضله، وعجائب صنعه في سماوات القلوب وأرض النفوس، يمد بها أولياءه وينصرهم بها على أنفسهم؛ ليفوزوا بكمال قربه، ويخذل به أعداءه ويهلكهم في أودية الأهوية؛ ليصيروا إلى كمال بعده، {وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا} [الفتح: 7] بذل أعدائه، {حَكِيمًا} [الفتح: 7] فيما يعز أولياءه.

ثم أخبر عن سر الرسالة إلى أهل الضلالة بقوله تعالى: {إِنَّآ أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا} [الفتح: 8] ، يشير إلى أنه لما كان أول مخلوق خلقه الله تعالى كان شاهدًا بوحدانية الحق تعالى وربوبيته، وشاهدًا بما أخرج من العدم إلى الوجود من الأرواح والنفوس والأجرام والأركان والأجسام والمعادن والنبات والحيوان والملك والجن والشيطان والإنسان، وكل ما دب فيه روح؛ لئلا يشذ عنه مما يمكن للمخلوق دركه من أسرار أفعاله، وعجائب صنعه، وغرائب قدره بحيث لا يشاركه فيه غيره؛ ولهذا قال صلى الله عليه وسلم:"علمت ما كان وما سيكون"؛ لأنه شاهد الكل وما غاب لحظة، وشاهد خلق آدم عليه السلام ولأجله قال صلى الله عليه وسلم:"كنت نبيًا وآدم بين الروح والجسد، أو كنت مخلوقًا وعالمًا بأني نبي وحكم لي بالنبوة وآدم بين أن يخلق له روح ثم يخلق له جسد ولم يخلق بعد".

واحد منهما شاهد: وأما ما جرى عليه في امتناع السجود لآدم من: الإكرام، والإخراج من الجنة بسبب المخالفة، وما تاب الله عليه. . . إلى آخر ما جرى عليه.

وشاهد: خلق إبليس، وما جرى عليه من: امتناع السجود لآدم، والطرد واللعن بعد طول عبادته ووفور علمه بمخالفة أمر واحد، فحصل له بكل حادثة جرت على الأنبياء والرسل والأمم فهوم وعلوم، فلما تحصل لروحه ما أمكنه حصوله من كمال العلم، والحال لكمال الربوبية الإلهية في عالم الأرواح، أراد أن يزداد نورًا على نور، وأن يحصل كمالًا على كمال إنزال روحه في قالبه على وجه المعروف، بعدما شرفه وفضله أقصى ما يمكن من الإكرام، ثم رباه بلبان العناية في حجر الهداية، إلى أن أرسله إلى الأحمر والأسود {شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا} [الفتح: 8] ، يبشر أمته أن لهم في متابعة الرتبة المحجوبة، التي هي مخصوصة به من بين سائر الأنبياء والمرسلين - عليهم السلام - {وَنَذِيرًا} [الفتح: 8] لهم؛ لئلا ينقطعوا عنا شيئًا من الدارين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت